الطبراني
297
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ؛ وذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج من مكّة بعد ما فتحها ، وكان انفتاحها في بقيّة أيّام رمضان ، فمكث بها حتّى دخل شوّال متوجّها إلى حنين ، وبعث رجلا من بني سليم عينا له يقال له عبد اللّه بن أبي حدرد ، فأتى حنينا فكان بينهم يسمع أخبارهم ، فسمع مالك بن عوف يقول لأصحابه : أنتم اليوم أربعة آلاف رجل ، فإذا لقيتم العدوّ فاحملوا عليهم حملة رجل واحد ، فو اللّه لا تضربون بأربعة آلاف سيف شيئا إلّا أفرج لكم . وكان مالك بن عوف على هوازن ، وكنانة بن عبد ياليل على ثقيف ، فأقبل ابن أبي حدرد حتّى أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره بمقالتهم ، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم متوجّها إليهم في عشرة آلاف رجل ، كذا قال الكلبيّ . وقال مقاتل : ( كانوا أحد عشر ألفا وخمسمائة ) « 1 » ، وقال قتادة : ( خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في اثنى عشر ألفا من المهاجرين والأنصار ، وألفين من الطّلقاء ، فقال رجل من المسلمين يقال له سلمة بن سلامة « 2 » : يا رسول اللّه لا نغلب اليوم من قلّة ، فساءت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلمته وابتلى اللّه المسلمين بذلك ، فلمّا التقوا حمل العدوّ عليهم حملة واحد ، فلم يقوموا لهم حلب الشّاة أن انكشفوا وتبعهم القوم في أدبارهم . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث يقود به ، والعبّاس أخذ بالثّغر ، وحول رسول اللّه يومئذ نحو من ثلاثمائة رجل من المسلمين وانهزم سائر المسلمين عنه ، فجعل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يركّض بغلته نحو الكفّار لا يأل ، وكانت بغلته شهباء وهو ينادي : [ يا معشر المهاجرين ويا معشر الأنصار إليّ ، أين أصحاب الصّفّة ] أي أصحاب سورة البقرة .
--> ( 1 ) في تفسير مقاتل بن سليمان : ج 2 ص 42 . ( 2 ) سلمة بن سلامة بن وقش الأشهلي الأنصاري ، الصحابي ، شهد العقبة الأولى والعقبة الآخرة والمشاهد كلها ، واستعمله عمر على اليمامة ؛ وتوفي سنة خمس وأربعين بالمدينة وهو ابن سبعين سنة . ترجم له ابن عبد البر في الاستيعاب : الرقم ( 1026 ) .