الطبراني

280

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ؛ أي والذين صدّقوا من أهل مكّة في ديارهم ولم يهاجروا إلى المدينة ، ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ؛ أي ليس بينكم وبينهم ميراث ، حَتَّى يُهاجِرُوا ؛ وإطلاق لفظ الموالاة يقتضي التوارث في الجملة ، وإن كان بعض أسباب الموالاة أوكد من بعض . قال ابن عبّاس : لمّا نزلت هذه الآية قام الزّبير بن العوّام وأناس معه من المسلمين ؛ قالوا : يا رسول اللّه كيف لا يرثنا إخواننا وهم على ديننا من أجل أنّهم لم يهاجروا ؟ فهل نعينهم على أمر إن استعانونا عليه ؟ فأنزل اللّه تعالى : وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ . معناه : وإن قاتلهم الكفار ليردّوهم عن الإسلام فانصروهم ، إِلَّا عَلى قَوْمٍ ؛ إلّا أن يقاتلوا قوما ، بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ؛ فاستنصروكم عليهم فلم تقاتلوهم معهم ، بل عليهم أن يكفّوا عن طلب النّصرة منكم لهم عليهم ؛ لأنه أمان ، وأمان واحد من المسلمين يلزم كافّتهم ، فيجب الإصلاح بينهم على غير وجه القتال . وقوله تعالى : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 72 ) ؛ أي بصير بأعمالكم ، يجازيكم عليها . قال ابن عبّاس : فمكثوا على هذا ما شاء اللّه أن يمكثوا ، ثمّ نزل قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ؛ أي أنصار بعض في الدّين ، وبعضهم أولياء بعض في الميراث . يعني أنّ الكافر لا يرث المؤمن الذي لم يهاجر ، بل الكافر يرث من الكافر ، والمؤمن يرث من المؤمن ، فصارت هذه الآية ناسخة للتي قبلها . قوله تعالى : إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ ( 73 ) أي إلّا تفعلوا ما أمرتكم به ولم تورثوا الأعرابيّ الذي لم يهاجر من المهاجر ، ولم تجعلوا ولاية الكافر للكافر وولاية المؤمن للمؤمن ، ( تَكُنْ فِتْنَةٌ ) أي بالميل إلى الضّلالة وفساد في الدّين ، فإن الكفار بعضهم أولياء بعض . قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ؛ أي أولئك الذين حقّقوا إيمانهم بالهجرة وإقامة الجهاد في سبيل اللّه . وقيل : معناه : أولئك الذين حقّق اللّه إيمانهم بأن أثنى عليهم ومدحهم في