الطبراني
256
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 31 ) ؛ يعني النّضر بن الحارث ، وذلك أنه كان يختلف تاجرا إلى فارس والحيرة ، فيسمع سجع أهلها وذكرهم أخبار العجم وغيرهم من الأمم ، ويمرّ باليهود والنّصارى فيراهم يقرأون التوراة والإنجيل ، فجاء مكّة فوجد محمّدا يقرأ القرآن ، فقال : ( قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) أي أخبار الأمم الماضية وأسماؤهم . وكان النضر يقول : إن هذا الذي يحدّثكم به محمّد ما هو إلا مثل ما أحدّثكم به من أحاديث الأوّلين ، وكان النضر كثير الحديث عن الأمم الخالية « 1 » . قوله عزّ وجلّ : وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 32 ) ؛ نزلت في النّضر بن الحارث أيضا ، قال : لو شئت لقلت مثل هذا ، إن هذا إلّا أساطير الأوّلين في كتبهم ، ثم قال : اللّهمّ إن كان هذا الذي يقوله محمّد هو الحقّ من عندك ، فأمطر علينا حجارة من السّماء ، كما أمطرتها على قوم لوط ، أو ائتنا ببعض ما عذبت به الأمم فيه ، فنزل سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ، لِلْكافِرينَ « 2 » وكان النضر من بني عبد الدّار « 3 » .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 12402 ) عن ابن جريج ، وتمامه في الأثر ( 12403 ) عن السدي ، و ( 12404 ) عن سعيد بن جبير . ( 2 ) المعارج / 1 - 2 . ( 3 ) حين تهيمن أجواء مشاعر العداء والحسد والبغض على عقل الإنسان تجعل منه قطعة من الجهل ، بحيث لا يتفكّر على سواء ، وإلا فإن الإنصاف يقتضي أن يطالب المرء بالحجة والبرهان ، ويخاصم بالحجة والبرهان حتى يتأتى الرّجحان ، هذا في الظنون . أما في الأمور المحكمات فما عليه إلا الإجابة لمطالبها حال السماع وإيضاح أمرها . في الجامع لأحكام القرآن : ج 7 ص 398 ؛ قال القرطبي : ( ( حكي أنّ ابن عباس لقيه رجل من اليهود ؛ فقال اليهوديّ : ممّن أنت ؟ قال : من قريش . فقال : أنت من القوم الذين قالوا : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ . . . الآية . فهلا عليهم أن يقولوا : إن كان هذا هو الحقّ من عندك فاهدنا له ! إنّ هؤلاء قوم يجهلون . قال ابن عباس : وأنت يا إسرائيلي ، من القوم الذين لم تجفّ أرجلهم من بلل البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه ، وأنجى موسى وقومه ؛ حتى قالوا : اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ فقال لهم موسى : إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فأطرق اليهوديّ مفحما ) ) . فمثل هذا يسخر لا ليتّعظ ، بل ليهزأ ، فكان جوابه على ما يستحقّ فبكت .