الطبراني
175
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
لأن المكر ينزل بالممكور من الماكر من حيث لا يشعر ، وأما المكر الذي هو الاحتيال للإظهار بخلاف الإضمار ؛ فذلك لا يجوز على اللّه . قوله تعالى : فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ( 99 ) . فإن قيل : أليس الأنبياء قد أمنوا عذاب اللّه وليسوا من القوم الخاسرين ؟ قيل : معنى الآية : لا يأمن عذاب اللّه من المذنبين . والأنبياء صلوات اللّه عليهم لا يأمنون عذاب اللّه على المعصية ؛ ولهذا لا يعصون بأنفسهم . قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ؛ قرأ قتادة : ( أولم نهد ) بالنّون على التعظيم ، ومعنى الآية : أولم يبيّن اللّه للّذين يخلفون في الأرض من بعد أهلها الذين أهلكهم اللّه بتكذيبهم الرّسل . وقوله تعالى : ( أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ) أي أولم نبيّن لهم مشيئتنا أصبناهم بعقاب ذنوبهم ، كما أخذنا من كان قبلهم بذنوبهم . وقوله تعالى : وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ ؛ أي نختم عليها عقوبة لهم ، وليس هو عطفا على ( أَصَبْناهُمْ ) لأنه لو عطف عليه لقال : ولطبعنا ؛ لأنّ قوله : ( أَصَبْناهُمْ ) على لفظ الماضي ، وكان معنى ( وَنَطْبَعُ ) : ونحن نطبع . ومعنى الختم على قلوبهم : بأنّهم لا يؤمنون على جهة الذمّ . وقوله تعالى : فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 100 ) ؛ أي لا يقبلون الوعظ . قوله تعالى : تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها ؛ أي تلك القرى التي أهلكنا أهلها بجحودهم لآيات اللّه نقصّ عليك يا محمّد في القرآن من أخبارها كيف أهلكت ؛ لما في ذلك من العبرة لمن تدبّر حالهم . وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ؛ أي بالحجج والبراهين القاطعة التي لو اعتبروا بها لا هتدوا . وقوله تعالى : فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ؛ قال مجاهد : ( معناه : فما أهلكناهم إلّا وقد كان معلومنا أنّهم لا يؤمنون أبدا ) . وقال الحسن : ( معناه : فما كانوا ليؤمنوا لعتوّهم وتمرّدهم في الباطل ) ، بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ( 101 ) ؛ أي على قلوب الكافرين بك .