الطبراني

171

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

فإن قيل : كيف قالوا لشعيب : ( أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) وشعيب عليه السّلام لم يكن في ملّتهم قط ؛ لأنّ الأنبياء عليهم السّلام لا يجوز عليهم الكفر في حال من الأحوال ؟ قيل : يجوز أن يكون المراد بهذا الخطاب قومه الذين كانوا على ملّتهم ؛ فأدخلوه معهم في الخطاب . ويحتمل أنّهم توهّموا أنّ شعيبا كان على ملّتهم ؛ لأنّهم لم يروا منه المخالفة لهم إلّا في وقت ما دعاهم إلى نبوّته . قوله تعالى : قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها ؛ أي قد اختلقنا على اللّه الكذب فيما دعوناكم إليه إن عدنا في ملّتكم بعد إذ خلّصنا اللّه منها بالدلالة على بطلانها وتبيين الحقّ لنا وقبولنا له . قوله تعالى : وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا ؛ قال بعضهم : معناه : ما نعود فيها إلّا أن يكون في علم اللّه ومشيئته أن نعود فيها . وقال بعضهم : معناه : إلّا أن يشاء اللّه أن نكره عليها بالقتل ، فنظهر كلمة الكفر مع طمأنينة القلب بالإيمان . قوله تعالى : وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ؛ أي أحاط ربّنا بكلّ شيء علمه ، فهو يعلم ما هو أصلح لنا فيتعبّدنا به ، وهو يعلم بأنّا هل ندخل في ملّتكم أو لا ندخل . قوله تعالى : عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا ؛ أي به وثقنا في الانتصار عليكم ، قوله تعالى : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ ؛ أي اقض بيننا وبينهم بما يدلّ على أنّا على الحقّ وهم على الباطل ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ( 89 ) ؛ والفاتح هنا : الحاكم بلغة أهل عمان ؛ يسمّى فاتحا ؛ لأنه يفتح المشكلات ويفصل الأمور . ويجوز أن يكون معنى الفتح : أظهر أمرنا بإهلاك العدوّ حتى ينفتح ما بيننا وبينهم ؛ أي يظهر ويكشف . قوله تعالى : وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ( 90 ) ؛ معناه : قال الأشراف الّذين كذبوا شعيبا : لئن اتّبعتم شعيبا فيما دعاكم إليه إنّكم إذا بمنزلة من ذهب رأس ماله لإفنائكم العمر في ترك الشّهوات ، فتكونون مغبونين جاهلين .