الطبراني

121

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

استغناء عنه في حال من الأحوال . وأما النّار فهي للخراب ، وإن كان فيها بعض المنافع . قال ابن عبّاس : ( أوّل من قاس فأخطأ القياس إبليس لعنه اللّه ، فمن قاس الدّين بتبع من رأيه قرنه اللّه مع إبليس ) . « 1 » وكان قياس إبليس أنه قال : النار خير وأفضل وأصفى وأنور من الطّين . وقال ابن سيرين : ( أوّل من قاس إبليس ، وما عبدت الشّمس والقمر إلّا بالمقاييس ) . « 2 » وقد أخطأ عدوّ اللّه حين فضّل النّار على الطّين ، بل الطّين أفضل من النّار من وجوه كثيرة ؛ أحسنها : « 3 » إنّ جوهر الطّين السّكون والوقار والحياء والصّبر والحلم ، وذلك هو الدّاعي لآدم بعد السّعادة الّتي سبقت له إلى التّوبة والتّواضع ، فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية والتّوبة . ومن جوهر النّار الخفّة والطّيش والحدّة والارتفاع والاضطراب ، وذلك هو الدّاعي لإبليس بعد الشّقاوة الّتي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار ، فأورثه العذاب والهلاك واللّعنة والشّقاء . والثّاني : أنّ الطّين سبب لجمع الأشياء ، والنّار سبب لتفرّقها . والثّالث : أنّ الخبر ناطق بأنّ تراب الجنّة مسك أذفر ، « 4 » ولم ينطق الخبر أنّ في الجنّة نارا وفي النّار ترابا . والرّابع : أنّ النّار سبب عذاب اللّه تعالى لأعدائه ، وليس التّراب للعذاب . والخامس : أنّ التّراب مستغن عن النّار ، والنّار تخرج إلى المكان ومكانها التّراب ) .

--> ( 1 ) في الدر المنثور : ج 3 ص 425 ؛ قال السيوطي : ( ( وأخرج أبو نعيم في الحلية والديلمي عن جعفر ابن محمّد عن جده : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : [ أوّل من قاس أمر الدّين برأيه إبليس ، قال اللّه له : اسجد لآدم ، فقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ] قال جعفر : فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه اللّه تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه اتّبعه بالقياس ) ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 11161 ) . ( 3 ) في المخطوط : ( أخسّها ) . ( 4 ) أذفر ، والذّفر : شدّة ذكاء الريح من طيب أو نتن ، وفي صفة الحوض : وطينه مسك أذفر ؛ أي طيّب الريح . لسان العرب : ( ذفر ) .