الطبراني
122
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : قالَ فَاهْبِطْ مِنْها ؛ أي من الجنّة . وقيل : من السّماء إلى الأرض ، فإنّ السّماء ليس بموضع للمتكبرين . وقيل : معناه : فاهبط من الأرض ؛ أي اخرج منها والحق بجزائر البحار ، فإنّما تسلط به في الجزائر فلا تدخل الأرض إلا كهيئة السّارق عليه أطمار يروع فيها ، حتى يخرج من الأرض . قوله تعالى : فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها ؛ أي ليس لك أن تتعظّم في الأرض على بني آدم ، فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 13 ) ؛ أي من الأذلّاء . والصّغار هو الذّلّ . قوله تعالى : قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 14 ) ؛ أي قال إبليس حين خشي أن يعاجله اللّه بالعقوبة : أمهلني وأخّر جزائي إلى يوم يبعثون من قبورهم ؛ وهي النفخة الأخيرة عند قيام السّاعة . أراد الخبيث أن لا يذوق الموت ، قالَ ؛ اللّه تعالى : إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 15 ) ؛ أي المؤخّرين المؤجّلين إلى يوم الوقت المعلوم ؛ وهي النفخة الأولى عند موت الخلق كلّهم . وهذا ليس بإجابة إلى ما سأل ؛ لأنه سأل اللّه الإمهال إلى النفخة الثانية ، فأبى اللّه أن يعطيه ذلك ، قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ . إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ « 1 » يعني إلى النفخة الأولى يموت حينئذ أهل السّموات والأرض ، ويموت إبليس معهم . وبين النفخة الأولى والثانية أربعين سنة . واختلفوا في أنّ اللّه تعالى هل يجيب دعوة الكافر أم لا ؟ قال بعضهم : لا يجيب ؛ لأنّ إجابة الدّعاء تكون تعظيما للدّاعي ؛ ولهذا يرجو الإنسان أنه مجاب الدّعوة ، ولا يحسن من اللّه تعالى أن يعلم أحدا مدّة حياته لما في ذلك من الإغراء بالمعاصي . وكيف يجوز أن يجيب اللّه تعالى إبليس إلى ما سأل ، ولم يكن سؤاله على جهة التّضرّع والخشوع والرّغبة إلى اللّه ، وإنّما سأل ليغوي الناس ويضلّهم . وقال بعضهم : يجوز إجابة دعاء الكافر استدراجا واستضلالا له ولغيره ، ولا تكون إجابة الكافر تعظيما له بحال أبدا .
--> ( 1 ) الحجر / 37 - 38 .