الطبراني
67
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
ومن ذلك أيضا ما علّمنا اللّه تعالى في ترك التنصيص على نسبة الشرّ إلى اللّه تعالى وإن كان هو الخالق لكل شيء كما قال تعالى : بِيَدِكَ الْخَيْرُ « 1 » واكتفى بذلك واستغنى بها عن ذكر الشرّ فلم يقل ( وبيدك الشر ) ، وذلك بعد قوله : قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . مع أن السياق أن يقول وبيدك الشرّ . لأن ما نصّ على فعل اللّه له خير وشرّ باعتبار إطلاق الإنسان ، فأتيان الملك وعزّة الشخص هي خير بالنسبة للإنسان ، ونزع الملك وذلّة الشخص هي شرّ بالنسبة للإنسان ، وقد نسبها اللّه لنفسه بأنه هو الذي فعلها ، وقال في ختام الآية إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وهو أيضا يشمل الشرّ كما يشمل الخير . ومع ذلك قال بيدك الخير واكتفى بذلك عن ذكر الشر ولم يقل وبيدك الشر ، تعليما لنا بأن نتأدّب بأدب الخطاب . وهذا كله ، وهو التعبير بتعبيرات يقصد منها مراعاة الأدب العالي ، هو من معهود العرب في كلامهم ، ورد في الشعر وفي الخطب . وهكذا يمضي القرآن في ألفاظه وعباراته على ألفاظ العرب وعباراتهم ومعهودهم في كلامهم لا يخرج عن ذلك شعرة ، ويحيط بكل ما هو في أعلى مرتبة من بليغ القول مما ساروا عليه . فواقعه أنه عربي محض ، لا مدخل للألسن الأعجمية به ، فكان حتما على من أراد تفهّم القرآن أن يأتيه من جهة اللسان العربي ، ولا سبيل إلى تطلّب فهمه من غير هذه الجهة . ولذلك كان من المحتّم أن يفسّر القرآن من حيث ألفاظه وعباراته ، ومن حيث مدلولات هذه الألفاظ والعبارات ، مفردات وتراكيب ، في اللغة العربية فحسب . فما ترشد إليه اللغة العربية وما يقتضيه معهودها يفسّر به القرآن ، ولا يجوز أن يفسّر من هذه الناحية إلا حسب ما تقتضيه اللغة العربية ليس غير . وطريق ذلك النقل الموثوق به من طريق الرواية التي يرويها الثقة الضابط لما يقول عن فصحاء العرب الخالصة عربيّتهم .
--> ( 1 ) آل عمران / 26 .