الطبراني
66
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
بالبعد ليشعر العبد أن اللّه قريب منه ولأن الياء تفيد التنبيه فالعبد في حاجة للتنبيه عند النداء ، واللّه تعالى ليس كذلك . وأيضا فإن مراعاته التعبيرات التي يقصد منها مراعاة الأدب العالي قد سار فيها القرآن بالإتيان بالكناية عن التصريح في الأمور التي يستحى من ذكره والتصريح به ، كما كنّى عن الجماع باللّباس والمباشرة قال تعالى هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ « 1 » وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ « 1 » وكنّى عن قضاء الحاجة بقوله كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ « 2 » . ومن ذلك أيضا قد أتى القرآن بالالتفات الذي ينبئ في القرآن عن أدب الإقبال من الغيبة إلى الحضور بالنسبة إلى العبد إذا كان مقتضى الحال يستدعيه كقوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 1 ) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ « 3 » ثم عدل عن الغيبة إلى الخطاب فقال : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وكقوله تعالى حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ « 4 » فعدل عن الخطاب إلى الغيبة وقوله تعالى : عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى « 5 » فجرى العتاب على حال تقتضيه الغيبة مع أن الآية نزلت عليه وهو المخاطب بها ، ثم توجّه الخطاب له فقال تعالى : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى « 6 » . فهذا العدول من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب إنما هو لمراعاة الأدب العالي ، لما في الخطاب بعد الغيبة من تقوية للمعنى الثاني ، أو تخفيف للمعنى الأول على النفس حين إلقائها إليه . ألا ترى في الشّكر للّه والثناء عليه ، كان الأدب يقتضي الغيبة ، وحين العبادة وإظهار الضّعف كان الخطاب أليق بأدب الخطاب ؟ ولعل العتاب أخفّ على المعاتب بلفظ الغيبة والاستفهام أليق به أن يكون من مخاطب .
--> ( 1 ) البقرة / 187 . ( 2 ) المائدة / 75 . ( 3 ) الفاتحة / 1 - 3 . ( 4 ) يونس / 22 . ( 5 ) عبس / 1 - 2 . ( 6 ) عبس / 3 .