الطبراني
58
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
الإنسان . فالوقوف على هذا الموضوع وقوفا صحيحا لا يمكن أن يكون إلا عن طريق الرسول الذي جاء به ، لا سيما وقد بيّن اللّه تعالى أن القرآن أنزل على الرسول ليبيّنه للناس ، قال تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ « 1 » . وطريق الرسول هي سنّته ، أي ما روي عنه رواية صحيحة من أقوال وأفعال وتقارير . ومن هنا كان من المحتّم أن يجري الاطلاع على سنّة الرسول قبل البدء بتفسير القرآن وعند تفسيره ، إذ لا يمكن فهم موضوع القرآن إلا بالاطلاع على سنّة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . إلّا أنّ هذا الإطّلاع يجب أن يكون إطّلاع وعي لمتن السّنّة الصّحيحة ، أي يجب أن يكون إطّلاع تدبّر لأفكارها باعتبارها مفاهيم ، لا اطّلاع حفظ لألفاظها ، أي لا يضير المفسّر أن لا يهتمّ بحفظ الألفاظ أو معرفة السّند والرواة ما دام واثقا من صحّة الحديث من مجرّد تخريج الحديث ، بل المحتّم عليه إدراك مدلولات الحديث . لأن التفسير متعلّق بمدلولات السّنة لا بألفاظها وسندها ورواتها . وعليه يجب توفر الوعي على السّنة حتى يتأتّى تفسير القرآن . ومن هنا يتبيّن أنه لا بد لتفسير القرآن أوّلا وقبل كل شيء من ( دراسة واقع القرآن تفصيليّا ، ودراسة ما ينطبق عليه هذا الواقع من حيث الألفاظ والمعاني ) ، ثمّ ثانيا : إدراك موضوع بحثه . ويجب أن يعلم أنه لا يكفي الإدراك الإجمالي بل لا بد من الإدراك التفصيليّ للكليات والجزئيات ولو بشكل إجمالي . ولأجل تصوّر هذا الإدراك التفصيليّ نعرض لمحة أو إشارة عن كيفية هذا الإدراك التفصيلي لواقع القرآن من حيث مفرداته وتراكيبه وتصرفه في المفردات والتراكيب ، ومن حيث الأدب العالي في الخطاب والحديث من الناحية العربية ، من حيث لغة العرب ومعهودهم في كلامهم . أما واقع القرآن من حيث مفرداته فإنا نشاهد فيه مفردات ينطبق عليها المعنى اللغويّ حقيقة ، والمعنى اللغوي مجازا . وقد يبقى استعمال المعنى اللغويّ والمجازي معا ، ويعرف المعنى المراد بالقرينة في كلّ تركيب . وقد يتناسى المعنى اللغوي ويبقى المعنى المجازي ، فيصبح هو المقصود ، لا المعنى اللغوي . ونشاهد فيه مفردات ينطبق عليها المعنى
--> ( 1 ) النحل / 44 .