الطبراني
54
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
ولذلك انقسم العلماء فيما بعد في التفسير إلى قسمين : قسم يتحرّج عن القول بالرأي ويقتصر على المنقول ، وقسم يقول فيه بالرأي . أما الصحابة والتابعون فلم يكونوا قسمين بل كانوا يقولون بالقرآن بما يعلمون من رأي ومنقول ، ويتحرّجون عما لا يعلمون ويحذّرون من القول في القرآن بالرأي من غير اعتماد على علم . ثالثا - الإسرائيليّات : ذلك أنه دخل في الإسلام بعض اليهود والنصارى ، وكان بين هؤلاء علماء في التوراة والإنجيل ، وكان اليهود منهم ، أكثر ما دخلوا غير صادقين ، لأن اليهود أكثر حقدا وبغضا للمسلمين من النّصارى . فتسرّب من هؤلاء العلماء إلى المسلمين كثير من الأخبار الإسرائيلية ، دخلت في تفسير القرآن ليستكملوا بها شرح الآيات . ذلك أن شغف العقول وميلها للاستقصاء دعاها عند سماع كثير من آيات القرآن أن تتساءل عما حولها ، فإذا سمعوا قصّة كلب أصحاب الكهف قالوا ما كان لونه ؟ « 1 » وإذا سمعوا فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها تساءلوا ما ذلك البعض الذي ضربوا به ؟ « 2 » وإذا قرأوا فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً تساءلوا من هذا العبد الصالح الذي لقيه موسى وطلب منه أن يعلّمه ؟ « 3 » ومن هنا تأتي قصّة الخضر . وهكذا كانت تتوارد عليهم قصص وأخبار فيسألون عنها . وتجدهم يسألون عن الغلام الذي قتله العبد الصالح ، وعن السفينة التي خرقها ، وعن القرية التي لم تضيّفه . وتساءلوا عن قصّة موسى وشعيب وعن مقدار سفينة نوح إلى غير ذلك . وكان الذي يجيبهم على هذه الأسئلة ويسدّ طمعهم في هذه المعلومات هي
--> ( 1 ) وفيها يقول اللّه عزّ وجلّ : قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً [ الكهف / 22 ] . والقليل الذين يعلمون ذلك من مثل ابن مسعود وابن عبّاس رضي اللّه عنهم فهما يقولان : [ أنا من القليل ] . والمسألة لا يبتنى عليها عمل ، والانشغال بالأسماء والعدد يصرف المرء عن العبرة في الذكر من القصة . واللّه أعلم . ينظر : الجامع لأحكام القرآن للقرطبي : ج 10 ص 384 والدر المنثور للسيوطي : ج 5 ص 375 وما بعدها . ( 2 ) البقرة / 73 . ( 3 ) الكهف / 65 .