الطبراني
53
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
التي نزلت في شأنها الآيات . ولا يحمل على التحرّج من فهم القرآن لأنه أنزل ليفهمه الناس لا ليقتصروا على حدّ ما نقل من تفسير . وبالرجوع إلى النصوص التي وردت في ذلك يتبيّن منها سبب هذا التحرج . فقد روي عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن شيء من القرآن يقول : أنا لا أقول في القرآن شيئا . فهو ينفي عن نفسه القول بالقرآن ، ولا ينفي القول بالقرآن بالرأي . وقال ابن سيرين : سألت أبا عبيدة عن شيء من القرآن فقال : ( اتّق اللّه وعليك بالسّداد ، فقد ذهب الّذين يعلمون فيم أنزل القرآن ) « 1 » . ومعلوم أن أبا عبيدة من كبار الصحابة وهو يطلب لزوم السداد ومعرفة فيم أنزل القرآن . فهذا التورّع والتحرّج من القول بالقرآن قد بيّن أبو عبيدة سببه بقوله ( وعليك بالسّداد فقد ذهب الّذين يعلمون فيم أنزل القرآن ) « 2 » . فإذا وجد من يتحرّى السداد ومن يعلم فيم أنزل القرآن فلا شكّ أنه أهل لأن يقول فيه برأيه واجتهاده ؛ لأنه منضبط بأصول علم التفسير وقواعده . وعلى ذلك لا نستطيع أن نقول إن الصحابة كانوا منقسمين إلى قسمين ، قسم يتورّع عن أن يقول بالقرآن برأيه ، وقسم يقول بالقرآن برأيه . وإنما كانوا يقولون بالقرآن برأيهم . وكانوا يتورّعون أن يقول أحد بالقرآن برأيه عن غير علم متأكّد منه في اللفظة التي تفسّر والجملة التي تبيّن من آيات القرآن ، وكان كذلك التابعون . إلا أنه جاء من بعدهم من اطّلعوا على هذه الأقوال وفهموها أنّها تحذير من القول بالقرآن بالرأي فتورّعوا أن يقولوا فيه . وجاء من اطّلعوا على تفسير الصحابة بالرأي فقالوا بالتفسير بالرأي .
--> ( 1 ) الموفقات في أصول الشريعة للشاطبي : ج 3 ص 350 : لا بد في علم القرآن من معرفة أسباب التّنزيل . أخرجه سعيد بن منصور في سننه : ج 1 ص 185 الرقم ( 44 ) . وابن أبي شيبة في المصنف : ج 10 ص 511 ، وأبو عبيد في فضائل القرآن : الرقم ( 830 ) ، وابن جرير في التفسير : الرقم ( 97 ) : ج 1 ص 86 . والبيهقي في شعب الإيمان : الرقم ( 2085 ) . والتوحيدي في أسباب النزول : ص 504 . والسيوطي في الإتقان : ج 1 ص 41 ، وبعض أسانيده صحيحة . ( 2 ) مصنف عبد الرزاق : ج 1 ص 511 . والطبري : ج 1 ص 89 .