الطبراني
490
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وظاهر الآية يقتضي جواز دفع الصدقات إلى الكفّار إلّا أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم خصّ منها الزّكاة ؛ فقال : [ أمرت أن آخذ الصّدقة من أغنيائكم وأردّها على فقرائكم ] « 1 » . قوله عزّ وجلّ : لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ؛ قيل : معناه : ما أنفقتم من نفقة للفقراء ، وقيل : معناه : عليكم بالنفقة للفقراء الذين حبسوا في طاعة اللّه ؛ أي أحصرهم فرض الجهاد فمنعهم من التصرّف والسير لطلب المعاش ، وهؤلاء أصحاب الصّفّة حبسوا أنفسهم لطلب العلم ؛ وفضل الجمعة ؛ وخدمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكانوا نحوا من أربعمائة رجل لم يكن لهم مساكن ولا عشائر ؛ كانوا معتكفين في المسجد في صفّته ؛ قالوا : نخرج في كلّ سريّة يبعثها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سبيل اللّه ، فحثّ اللّه على الصدقة عليهم ، فكان الرجل إذا بقي عنده فضل أتاهم به « 2 » . وقوله تعالى : ( لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ ) الضرب في اللغة : السّير ، يعني لا يستطيعون سيرا في الأرض للتجارة وطلب المعيشة ، ونظيره قوله تعالى : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ « 3 » وقوله تعالى : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ « 4 » . وقال الشاعر : لحفظ المال أيسر من فنائه * وضرب في البلاد بغير زاد وقال ابن زيد : ( من كثرة ما جاهدوا لا يستطيعون ضربا في الأرض ، فصارت الأرض كلّها حربا عليهم ؛ لا يتوجّهون فيها جهة إلّا ولهم فيها عدوّ ) « 5 » . وكان السديّ يقول : ( معنى ( أُحْصِرُوا ) أي منعهم الكفّار بالخوف منهم ؛ فلا يستطيعون
--> ( 1 ) في الجامع لأحكام القرآن : ج 3 ص 337 وج 8 ص 168 و 172 . وأصله من حديث معاذ حين أرسله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى اليمن ، وهو في الصحيحين . ( 2 ) في كنز العمال : الرقم ( 16577 ) ، وعزاه للخطيب في تاريخه . ( 3 ) النساء / 101 . ( 4 ) المزمل / 20 . ( 5 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص ( 4866 ) .