الطبراني
491
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
تفرّقا في الأرض لمنع الكفّار إيّاهم عن ذلك ) « 1 » . وقيل : هذا لا يصحّ ؛ لأنه لو كان كذلك لقال : حصروا ، بغير ألف . وقال سعيد بن جبير : ( هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فصاروا زمنا وأحصرهم المرض والزّمانة عن الضّرب في الأرض ) « 2 » . فاختار الكسائيّ هذا القول لأنه يقال : أحصروا من المرض والزّمانة عن الضرب في الأرض ، ولو أراد الحبس قال : حصروا ، وإنّما الإحصار من الخوف أو المرض ، والحصر : الحبس في غيرهما . قوله تعالى : ( يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ) قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة وابن عامر والأعمش وعاصم وحمزة : ( يَحْسَبُهُمُ ) بفتح السين في جميع القرآن ، والباقون بالكسر . ومعنى الآية : يظنّهم الجاهل بأمرهم وشأنهم أغنياء من التعفّف عن السؤال ؛ لتجمّلهم باللباس وكفّهم عن المسألة . والتعفّف يذكر ويراد به ترك المسألة كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ من استغنى أغناه اللّه تعالى ، ومن استعفّ أعفّه اللّه ] « 3 » . قوله تعالى : تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ ؛ أي تعرفهم أنت يا محمد بعلامة فقرهم ورثاثة حالهم . وقيل : بتخشّعهم وتواضعهم . وقيل : بصفرة ألوانهم من الجوع وقيام الليل وصيام النهار . وقيل : بفرحهم واستقامة حالهم عند توارد البلاء عليهم . قوله تعالى : لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ؛ قال عطاء : ( إذا كان عنده غداء لا يسأل عشاء ، وإن كان عنده عشاء لا يسأل غداء ) . وقال أهل المعاني : ( لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ) ولا غير إلحاف ؛ أي ليس لهم سؤال فيكون إلحافا ، والإلحاف : الإلحاح ، دليل هذا القول قوله تعالى : ( يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص ( 4867 ) . ( 2 ) في الدر المنثور : ج 2 ص 89 ؛ قال السيوطي : « أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم » . ( 3 ) أخرجه الطبراني في الأوسط : الحديث ( 2896 ) . والطبري في جامع البيان : الحديث ( 4876 ) .