الطبراني
472
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
ينصار انصيارا إذا انقطع ) . وأنشد بعضهم بيتا في اللّغز : وغلام رأيته صار كلبا * ثمّ في ساعتين صار غزالا أي قطع . وقرأ علقمة وسعيد بن جبير وقتادة ويحيى بن وثّاب والأعمش وخلف : ( فَصرْهُنَّ ) بكسر الصّاد ، معناه قطّعهنّ . قال أبو العباس السرّاج : ( هما لغتان للعرب ) . وعن ابن عباس روايتان ؛ إحداهما : ( فَصرْهُنَّ ) مفتوحة الصاد مشدّدة الراء مكسورة من التّصرية وهي الجمع ومنه المصرّاة . والأخرى : ( فَصُرْهُنَّ ) بضم الصاد وفتح الراء والتشديد من الصّرّ وهي في معنى الجمع . فمن تأوّله على القطع والتمزيق ففيه تقديم وتأخير ، تقديره : فخذ أربعة من الطير إليك ، فصرّهنّ . ومن تأوّله على الضمّ والإمالة ؛ ففيه إضمار معناه : فصرّهنّ إليك ثم قطّعهن ، فحذفه واكتفى بقوله : ( ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ) لأنه يدلّ عليه ، وهذا كما قال : خذ هذا الثوب واجعل منه على كلّ رمح علما . قوله تعالى : ( ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ) لفظه عامّ ومعناه خاصّ ؛ لأنّ ( أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ) لا تبلغ الجبال كلّها ، ولا كان إبراهيم يصل إلى ذلك ، وهذا كقوله تعالى : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ « 1 » وقوله : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ « 2 » . وقوله : ( جُزْءاً ) قرئ برفع الزاء مثقل بالهمزة مخفّفا وهي لغات . وقال المفسرون : أمر اللّه إبراهيم أن يذبح تلك الطيور وينتف ريشها ويقطّعها ويفرّق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها بعضها ببعض ، ففعل إبراهيم ذلك ، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال . واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال ، فقال ابن عباس وقتادة والربيع : ( أمر أن يجعل كلّ طائر أربعة أجزاء ثمّ يعمد إلى أربعة أجبل ، فيجعل على كلّ جبل ربعا من كلّ طائر ، ثمّ يدعوهنّ : تعالين بإذن اللّه ) . وهذا مثل ضربه اللّه لإبراهيم وأراه إيّاه ، يقول : كما بعثت الطيور من هذه الجبال الأربعة يبعث الناس يوم القيامة من بقاع الأرض ونواحيها .
--> ( 1 ) النمل / 23 . ( 2 ) الأحقاف / 25 .