الطبراني
373
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وإنّما قال اللّه تعالى : ( أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ) لأنّ أحدا لا يعلم أنه صابر إلى أن يبلغ في الطاعة كلّ مبلغ ؛ إلا بخبر اللّه تعالى أو بخبر محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنه لا يدري لعله قصّر في شيء من الواجبات ، وما يدري ما الذي يكون منه وما بينه وبين موته ، ولا يعلم أحد من المسلمين بما يختم له ، ختم اللّه لنا بالسّعادة والشّهادة . قوله عزّ وجلّ : * يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ؛ قال ابن عباس : ( كان المسلمون يشربون الخمر في بدوّ الإسلام ، وهي لهم حلال ، وكان منادي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ينادي في اليوم واللّيلة وقت الصّلاة : ألا من كان سكرانا فلا يحضر مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الجماعة ؛ تعظيما للجماعة وتوقيرا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنّ عمر جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : بيّن لنا أمر الخمر ، فإنّها مهلكة للمال مذهبة للعقل ، فنزلت هذه الآية ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ) « 1 » . وأما الميسر فقد كان جماعة من العرب يجتمعون فيشترون جزورا ، ثم يجعلون لكلّ واحد منهم سهما ، ثم يقترعون عليها ، فمن خرج سهمه برئ من ثمنها وأخذ نصيبه من الجزور وبقي آخرهم عليه ثمن الجزور كلّه ولا يذوق من لحمها شيئا ، فتقتسم أصحابه نصيبه ، وربما كانوا يتصدقون بذلك على الفقراء ، فسئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك ، فأنزل اللّه هذه الآية . والميسر : هو القمار ، ويقال للقمار : ميسر ، والمقامر الياسر ، وقال مقاتل : ( سمّي ميسرا لأنّهم كانوا يقولون : يسّروا لنا ثمن الجزور ) « 2 » ؛ وذلك أنّ أهل الثروة من العرب كانوا يشرون جزورا فينحرونها ، ويجزّئونها أجزاء ، قال ابن عمر : ( عشرة أجزاء ) وقال الأصمعيّ : ( ثمانية وعشرين جزءا ) ثم يسهمون عليها بعشرة أقداح ويقال لها الأزلام والأقلام ، سبعة منها لها أنصب ؛ وهي القذولة نصيب واحد ، والتوأم
--> ( 1 ) في الدر المنثور : ج 1 ص 605 ؛ ذكر السيوطي الحديث عن عمر رضي اللّه عنه ، وقال : « أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه ، والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر عن عمر : . . . وذكره » . ( 2 ) قاله مقاتل في التفسير : ج 1 ص 116 .