الطبراني

372

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

في الشهر الحرام منسوخ ؛ نسخته سورة براءة ، وهو قوله تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية « 1 » ؛ لأنّها نزلت بعد حظر القتال في الشهر . فإن قيل : إذا كان نفس الارتداد يحبط العمل حتى يبطل حجة الذي أداه ، فأين فائدة قوله : ( فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ ) ؟ قيل : إنّما ذكر اللّه تعالى في هذه الآية أمر الآخرة لا أمرا يرجع إلى إحباط عمله في الماضي ؛ إذ المعلوم من حال المرتدّ أنه إذا عاد إلى الإسلام والتوبة والعمل الصالح ومات على ذلك لا يعاقب في الآخرة ، فلما جمع اللّه في هذه الآية بيّن إحباط عمله فيما يتصل بالدنيا والآخرة حتى يزول ثوابه إلى العقاب الدائم ، كذلك شرط موته على الكفر . روي في التفسير « 2 » : أنه لمّا نزلت هذه الآية قام عبد اللّه بن جحش وأصحابه ؛ فقالوا : يا رسول اللّه ، أنطمع من ربنا أن تكون لنا هذه غزوة في الجهاد ، فنزل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 218 ) ؛ معناه أن الذين صدّقوا وهاجروا من مكة إلى المدينة وجاهدوا في محاربة المشركين في طاعة اللّه تعالى أهل هذه الصفة ، يعطون مغفرة اللّه تعالى وجنّته ، ( وَاللَّهُ غَفُورٌ ) لما كان منهم من القتال والأسر وأخذ الغنيمة في الشهر الحرام ، رَحِيمٌ بهم حين رفع إثم ذلك عنهم . والمهاجرة : مفاعلة من الهجر ، وفي هذا الموضع هجران الموطن والعشيرة في رضا اللّه تعالى ، والهجر نقيض الوصل ، وأطلق اللفظ في هذه الآية على المفاعلة ، ويزاد ما ذكرناه ؛ ونظيره المساعدة : وهي ضمّ الرجل ساعده إلى ساعد أخيه بالتقوية والمعونة . وأما المجاهدة : فهي بذل الرجل الجهد من نفسه مع إخوانه ، ويجوز أن يراد بذلك أن يبذل الجهد في قتال عدوّه ، وقد فعل العدوّ مثل فعله ، فيصير مفاعلة .

--> ( 1 ) التوبة / 29 : . . . وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ( 2 ) رواه الطبري في جامع البيان : تفسير الآية : مج 2 ج 2 ص 483 : النص ( 3272 ) .