الطبراني

371

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

الشهر الحرام عظيم الذنب عند اللّه تعالى ، ثم استأنف الكلام فقال : ( وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) أي منع الناس عن الكعبة أن يأتوها ويطوفوا بها ( وَكُفْرٌ بِهِ ) أي وكفر باللّه تعالى ، ويقال : بالحجّ ، أو كفر بالمسجد الحرام . وقيل : فيه تقديم وتأخير ، تقديره : وصدّ عن سبيل اللّه وعن المسجد الحرام وكفر باللّه وإخراج أهل المسجد الحرام منه أعظم عقوبة عند اللّه من القتال في الشهر الحرام ، أي الكفار مع هذا الإحرام أولى بالعنت ممن قتل مشركا في الشهر الحرام كما قال تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ؛ أي الشرك باللّه أعظم عقوبة وإثما من القتال . ومعنى كفرهم بالمسجد الحرام : أنّ اللّه جعل المسجد الحرام للمؤمنين ولعبادتهم إياه فيه ، فلما جعله الكفار لأوثانهم ومنعوا المسلمين منه ، كان ذلك كفرا منهم بالمسجد الحرام . قوله عزّ وجلّ : وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا ؛ معناه : لا يزال أهل مكة يقاتلونكم أيها المسلمون حتى يصرفونكم عن دينكم الإسلام إلى دينهم الكفر إن قدروا على ذلك ، ثم حذّر اللّه المؤمنين ليثبتوا على الإسلام فقال عزّ وجلّ : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 217 ) ؛ أي من يرجع منكم عن دين الإسلام فيمت على كفره ، ( فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) أي التي عملوها للآخرة ؛ أي لا يبقى لعمل من أعمالكم ثواب يجازون به في الدارين ، الآية : ( وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) مقيمون دائمون . والصّدّ والصّرف والمنع ، يقال : صدّ يصدّ صدّا ؛ إذا صرف غيره عن الشيء ، وصدّ يصدّ صدودا ؛ إذا أعرض بنفسه . ومن قرأ ( يرتدد ) بدالين فهو لغة أهل الحجاز ، أظهروا التضعيف حذرا من التقاء الساكنين ، ومن قرأ ( يرتدّ ) بالتشديد فهو لغة بني تميم أدغموا الحرفين من جنس واحد وحرّكوه إلى الفتحة . وقوله : ( فَيَمُتْ ) جزم بالعطف على ( يَرْتَدِدْ ) ولو كان جوابا لكان رفعا . وأكثر الأمة على أن النهي عن القتال