الطبراني
362
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وعن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ يقول اللّه عزّ وجلّ : لولا أن يجزع عبدي المؤمن لعصبت الكافر بعصابة من حرير ولصبّيت الدّنيا عليه صبّا ] . ومصداق ذلك قوله تعالى : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ « 1 » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ لو أنّ الدّنيا عند اللّه تزن جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ] « 2 » . وعن قطرب : في قوله تعالى : ( وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) : ( أي أنّ اللّه يعطي العدد المتناهي لا من عدد أكثر منه كما يفعله العباد ، ولكن يعطي المتناهي من غير المتناهي ) . فإن قيل : أليس اللّه تعالى قال في آية أخرى : جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً « 3 » فكيف قال في هذه الآية بِغَيْرِ حِسابٍ ؟ قيل : العطاء من جهة اللّه عزّ وجلّ على ضربين ؛ أحدهما : ثواب ، والآخر : تفضّل ، فما كان ثوابا كان له حساب ؛ لأنه يكون على قدر الاستحقاق بالعمل . وأما التفضّل فلا يكون له حساب كما قال تعالى : لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ « 4 » . والمراد بقوله : عَطاءً حِساباً الثواب دون التفضل ، والمراد بقوله : يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ التفضّل ، فإن قيل : كيف قال : بغير حساب ؛ وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : [ حلالها حساب وحرامها عذاب ] « 5 » . قيل : روي عن عائشة رضي اللّه عنها في معنى الحساب في المؤمنين : العرض ، [ ومن نوقش الحساب عذّب ] « 6 » .
--> ( 1 ) الزخرف / 33 . ( 2 ) علقه الهندي في كنز العمال : النص ( 18603 ) . ( 3 ) النبأ / 36 . ( 4 ) فاطر / 30 . ( 5 ) في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين : الحديث ( 2977 ) ؛ قال العراقي : « رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب من طريقه موقوفا على علي بن أبي طالب بإسناد منقطع » . وعلقه الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب : النص ( 8192 ) عن ابن عباس بلفظ : [ يا ابن آدم ما تصنع ؟ الدّنيا حلالها حساب وحرامها عذاب ] . ( 6 ) أخرجه البخاري في الصحيح : كتاب الرقاق : باب من نوقش الحساب عذب : الحديث ( 6536 ) ، وفي الحديث ( 6537 ) بلفظ : [ وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلّا عذّب ] . ومسلم في الصحيح : كتاب الجنة : باب إثبات الحساب : الحديث ( 79 و 80 / 2876 ) .