الطبراني
363
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
فإن قيل : من الذي زيّن للذين كفروا الحياة الدنيا ؟ قيل : ذهب بعض المفسرين إلى أن الذي زيّنها لهم إبليس كما قال اللّه تعالى في آية أخرى : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ « 1 » . وعن الحسن أنه قال : ( زيّنها واللّه لهم الشّيطان ، فلا أحد أذمّ للدّنيا ممّن خلقها قال اللّه تعالى : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ « 2 » وقال تعالى : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ « 3 » ) . وذهب بعضهم إلى أنّ اللّه تعالى هو الذي زيّنها لهم ؛ إذ خلق فيها الأشياء المعجبة وركّب الشهوات في قلوب العباد ؛ فنظر الذين كفروا إلى الدنيا بأكثر من مقدارها ؛ فاغترّوا بذلك كما قال تعالى : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا « 4 » . قالوا : إنّما فعل اللّه ذلك ؛ لأن التكليف لا يتمّ إلا مع الشهوة ، فإن الإنسان لا يجوز أن يكلّف إلا بأن يدعى إلى ما تنفر عنه نفسه أو يزجر عما تتوق إليه نفسه ، وهو معنى قوله عليه السّلام : [ حفّت الجنّة بالمكاره ، وحفّت النّار بالشّهوات ] « 5 » . وقرأ مجاهد وحميد : ( زيّن للّذين كفروا ) بفتح الزاء ، على معنى زيّنها اللّه عزّ وجلّ لهم . قوله عزّ وجلّ : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ؛ قال ابن عباس : ( معناه : كان النّاس أهل ملّة واحدة : كفّارا كلّهم في ابتداء عهد نوح عليه السّلام وكذلك في عهد إبراهيم ) يعني أنّ أمم الأنبياء عليهم السّلام الذين بعث إليهم الأنبياء كانت كفارا كما كانت هذه الأمة . وجائز أن يقال : كانت أمة واحدة على الكفر وإن كان فيهم مسلمون ؛ إذا كان المسلمون قليلين مقهورين في البقية ؛ لانصراف اسم الأمة إلى الأعمّ الأكثر . وقال قتادة والضحاك : ( كان النّاس أمّة واحدة على الحقّ ) أي كانوا مؤمنين في زمن آدم عليه السّلام وبعد وفاته إلى مبعث نوح عليه السّلام ، وكان بين آدم ونوح عشرة قرون
--> ( 1 ) الأنفال / 48 . ( 2 ) النساء / 77 . ( 3 ) الحديد / 20 . ( 4 ) الكهف / 7 . ( 5 ) أخرجه مسلم في الصحيح : كتاب الجنة : الحديث ( 1 / 2822 ) . والترمذي في الجامع : أبواب صفة الجنة : الحديث ( 2559 ) .