الطبراني

358

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وقوله ( حَكِيمٌ ) أي محكم في الفعل ، حكيم في أمره . ويقال : عالم ذو حكمة فيما شرع لكم من دينه . وقال ابن حبان « 1 » : ( معنى : فإن زللتم ؛ أي أخطأتم ) . وقال السديّ : ( فإن ضللتم ) . وقال ابن عباس : ( يعني الشّرك ) . وقرأ أبو السمّال العدوي : ( فإن زللتم ) بكسر اللّام ، وفي هذه الآية تشبيه العصيان بزلّة القدم . قوله عزّ وجلّ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ؛ افترق الناس في تفسير هذه الآية على أربعة أقوال ؛ فرقة منهم يتأولونها على ظاهرها ويصفون اللّه بالإيتاء الذي هو زوال من مكان إلى مكان . وهذا القول غير مرض تعالى اللّه عنه . وفرقة يفسرون الإتيان تفسيرا مجملا لا يعدون ظاهر اللفظ ، يقولون : يأتي كيف شاء بلا كيف . وهذا غير مرض أيضا . وأما الفرقتان الأخريان من أهل السّنّة والجماعة ؛ فإحداهما لا يفسّرون هذه الآية ويقولون : نؤمن بظاهرها ونسكت عن الخوض في معناها ؛ لما فيه من الاشتباه والتشبيه . وقال الكلبيّ : ( هذا من المكتوم الّذي لا يفسّر ) . وقال ابن عباس : ( نؤمن بها ولا نفسّرها كما قال تعالى في المتشابهات : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ « 2 » ) . وأمّا الفرقة الرابعة فيفسرونها ويردّون مثل هذه المتشابهات إلى الآيات المحكمات ويقولون : معناها ما ينظر الكفار بعد قيام الحجة عليهم ، إلا أن يأتيهم أمر اللّه وهو الحساب ، أو أن يأتيهم عذاب اللّه ؛ لأنّ الإتيان لفظ مشتبه يحتمل حقيقة الإتيان ويحتمل إتيان الأمر ، وقد قامت الدلالة على أنّ اللّه تعالى لا يجوز عليه الإتيان والمجيء والانتقال والمزاولة ؛ لأنّ ذلك من صفات الأجسام والمحدثين ، واللّه تعالى منزّه عن ذلك ، قال عليّ رضي اللّه عنه : ( من زعم أنّ اللّه في شيء أو من شيء أو على شيء فقد ألحد ؛ لأنّه لو كان من شيء لكان محدثا ؛ ولو كان في شيء لكان محصورا ؛ ولو كان على شيء لكان محمولا ) . وإذا كان لفظ الإتيان مشتبها وجب ردّه إلى المحكم

--> ( 1 ) الإمام الحافظ محمّد بن حبان ، صاحب الصحيح ( 270 - 354 ) من الهجرة . ( 2 ) آل عمران / 7 .