الطبراني

352

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وقوله تعالى : ( لِمَنِ اتَّقى ) قال الكلبيّ : ( معناه : لمن اتّقى قتل الصّيد ، فإنّه لا يحلّ له أن يقتل صيدا حتّى يخلف أيّام التّشريق ) . وقال قتادة : ( معناه : لمن اتّقى أن يصيب في حجّته شيئا ممّا نهى اللّه عنه ) . وقال أبو العالية : ( معناه : فلا إثم عليه لمن اتّقى اللّه فيما بقي من عمره ) . وكان ابن مسعود يقول : ( إنّما جعل مغفرة للذّنوب لمن اتّقى اللّه في حجّه ) . قال ابن جريج : ( وهي في مصحف عبد اللّه : فلا إثم عليه لمن اتّقى اللّه ) . وعن ابن عباس : ( معناه : لمن اتّقى عبادة الأوثان ومعاصي اللّه ) . فإن قيل كيف قال اللّه تعالى : ( وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) ومعلوم أنّ من تأخر إنّما تأخّر لإقامة واجب ، فلا يليق بحاله أن يقال : فلا إثم عليه ، بل يليق أن يقال : ومن تأخر كان أعظم لأجره ؟ قيل : هذا على مزاوجة الكلام . وقيل : إنّ رمي الجمار لا يجوز أن يكون تطوّعا ؛ إذ المتنفل به يكون غائبا ؛ فلمّا قال اللّه تعالى : ( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) أوهم ذلك كون الرمي في ذلك اليوم الثالث تطوّعا ؛ لأنّ هذا تخيير بين فعله وتركه ، فقال تعالى : ( وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) ليبيّن أنّ هذا واجب خيّر بين فعله . فصل : والأيام المسمّاة في الحجّ ستة أيام : يوم التّروية ؛ ويوم عرفة « 1 » ؛ ويوم النّحر ؛ ويوم القرّ ؛ ويوم النّفر ؛ ويوم الصّدر . وسمي يوم التروية لأنّ جبرائيل عليه السّلام قال لإبراهيم عليه السّلام : [ احمل ريّك من الماء ] . وأما عرفة فقد ذكرنا لم سمي به ، ويوم النّحر معلوم ؛ ويوم القرّ لاستقرار الناس بمنى ، ويوم النّفر لأنّهم ينفرون من منى إلى مكة ، ويوم الصّدر لأنّهم يصدرون إلى أهاليهم . ورمي الجمار مشروع في يوم القرّ والنفر والصدر ؛ وهي أيام التشريق . قوله عزّ وجلّ : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 203 ) ؛ هذا أمر لهم بالتقوى في مستقبل أعمارهم ؛ أي لا تتّكلوا فيما أسلفتم من أعمال البرّ ، ولكن زيدوا في الطاعة في باقي العمر . وقوله تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) أي في الآخرة يجازيكم بأعمالكم ؛ إذ الحشر إنّما يكون للمجازاة ، ومن تصوّر أنه لا بد

--> ( 1 ) سقط من المخطوط : ( ويوم عرفة ) .