الطبراني

353

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

من حشر ومحاسبة ومساءلة ؛ ولا بد من أحد أمرين : إمّا الجنة وإما النار ، يدعوه بذلك إلى التقوى والتشديد . والحشر في اللغة : هو الجمع للناس من كلّ ناحية ؛ والمحشر هو المجمع ؛ فيكون معنى الآية : ( وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) أي تجمعون . قوله عزّ وجلّ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ( 204 ) ؛ قال ابن عباس : ( نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق ، كان حسن المنظر ؛ حلو الكلام ؛ فاجر السّريرة ؛ حلّافا شديد الخصومة في الباطل ، وكان يجالس النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فيظهر له الحسن ويحلف باللّه أنّه يحبّه ويتّبعه على دينه ؛ وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يسمع كلامه فيعجبه ، وكان يدنيه من مجلسه ، فأظهره اللّه على نفاقه ) « 1 » . ومعنى الآية : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ ) كلامه وحديثه ؛ أي يفرح بإظهاره الإيمان وتسرّ بقوله ، ( وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ ) ( وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ ) أي يقول : اللّه شهيد على ما في قلبي كما هو على لساني من الإيمان . وقوله تعالى : ( وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ) أي شديد الخصومة جدل بالباطل . والألدّ : مأخوذ من لدّتي العنق ؛ وهما صفحتاه . وتأويله : أن خصمه في أيّ وجه أخذ من أبواب الخصومة من يمين أو شمال غلبه في ذلك . قوله تعالى : وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ( 205 ) ؛ أي إذا أعرض عنك الأخنس يا محمد وفارقك أسرع مشيا في الأرض ليعصي فيها ويضرّ المؤمنين ، وليهلك ما قدر عليه من زرع ونسل ، ( وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) أي لا يرضى المعاصي .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص ( 3140 ) . وفي الدر المنثور : ج 1 ص 572 ؛ قال السيوطي : « أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن الكلبي قال : كنت جالسا بمكة ، فسألوني عن هذه الآية ؟ قلت : هو الأخنس بن شريق ، وسمعني فتى من ولده ، فلما قمت أتبعني فقال : إن القرآن إنما أنزل في أهل مكة ، فإن رأيت أن لا تسمّي أحدا حتى تخرج منها فافعل » .