الطبراني

343

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وحوّاء تعارفا بها بعد التفاقد . ويقال : لأنّ جبريل عرّفها إبراهيم عليه السّلام ليقف عليها حين كان يعلّمه أمر المناسك ؛ فقال إبراهيم : عرفت . وقال بعضهم : سميت بذلك لأن الناس يعترفون في هذا اليوم على ذلك الموقف بذنوبهم . وقيل : هي مأخوذة من العرف وهو الطّيب ، قال اللّه تعالى : عَرَّفَها لَهُمْ « 1 » أي طيّبها لهم . قوله عزّ وجلّ : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 199 ) ؛ قال عامّة المفسرين : كانت قريش وحلفاؤها ومن دان بدينها وهم الحمس لا يخرجون من الحرم إلى عرفات ؛ وكانوا يقفون بالمزدلفة يقولون : نحن أهل اللّه وسكّان حرمه ؛ فلا يخلف الحرم ولا يخرج منه فلسنا كسائر الناس ، كانوا يتعظّمون أن يقفوا مع سائر العرب بعرفات . ويقول بعضهم لبعض : لا تعظّموا إلا الحرم ، فإنكم إن عظّمتم غير الحرم تهاون الناس بحرمكم ، فقفوا بجمع ، فإذا أفاض الناس من عرفات أفاضوا من المشعر وهو المزدلفة . فأمرهم اللّه أن يقفوا بعرفات ويفيضوا منها إلى المزدلفة مع سائر الناس فيكون المراد بالإفاضة في هذه الآية على هذا القول : الإفاضة من عرفات . وكان سائر الناس غير الحمس يقفون بعرفات ، فأنزل اللّه هذه الآية وأمر قريشا وغيرهم من الحمس أن يقفوا بعرفة حيث يقف الناس ، ويدفعوا منها معهم . وإنّما ذكر الناس وأراد قريشا بالإفاضة من حيث أفاض الناس ؛ لأن قريشا ومن دان بدينها كانوا قليلا بالإفاضة إلى سائر الناس . قوله تعالى : ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ) على هذا التأويل راجع إلى أوّل الكلام ، كأنه « قال » « 2 » ( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ ) ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ) ( فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ ) المسجد ( الحرام ) . فيكون في الآية تقديم وتأخير . ويكون الأمر بالإفاضة عطفا على الإحرام دون الإفاضة من عرفات ؛ فكأنه قال : أحرموا كما أمركم اللّه ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ) . وعلى هذا التأويل جمهور المفسرين .

--> ( 1 ) محمّد / 6 . ( 2 ) « قال » سقطت من المخطوط ، ويقتضيها السياق بالضرورة .