الطبراني

340

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قوله سبحانه وتعالى : وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ؛ أي ما تفعلوا من أسباب الحجّ وترك الرّفث والفسوق والجدال يعلمه اللّه ؛ أي يقبله منكم فيجزيكم عليه ، واللّه تعالى عالم من دون أن يفعلوا ، ولكن المراد به يعلمه اللّه مفعولا ؛ وكان من قبله يعلمه غير مفعول . وأراد اللّه بهذا الحثّ على فعل الخير ودلّ به على العدل ؛ إذ بيّن أنه لا يجازي العبد على ما يعلمه منه ، وإنّما يجازيه على ما يقع منه . قوله عزّ وجلّ : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ؛ أي تزوّدوا في سفر الحجّ والعمرة ما تكفّون به وجوهكم عن المسألة . نزلت في قوم كانوا يخرجون بأهاليهم بغير زاد ويتّكلون على الناس ؛ ويسمّون أنفسهم المتوكّلة ، يقولون : نحجّ بيت ربنا واللّه رازقنا . وقيل : نزلت في قوم يتركون أزوادهم ويصيبون في حجّهم من أهل الطريق ظلما ؛ فبيّن اللّه تعالى أن الزاد هو أن تتّقوا ما لا يحلّ ، لا أن تلقوا أزوادكم وتصيروا كلّا على الناس . ويقال : في الآية تقديم وتأخير ؛ تقديره : وتزوّدوا من الطاعات ، وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ ( 197 ) ، ( فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ) ولا يمتنع أن يكون المراد به زاد الدّنيا وزاد الآخرة . كأنّ اللّه خصّ على الزّادين جميعا وأمر بالتزوّد لسفر الدّنيا بالطعام ولسفر الآخرة بالتّقوى ؛ فإن النجاة من هلكات سفر الدّنيا بالزاد ، ومن سفر الآخرة بالعمل الصالح . قال الشاعر : إذ أنت لم ترحل بزاد من التّقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا ندمت على أن لا تكون كمثله * وأنّك لم ترصد كما كان أرصدا واختلف العلماء في جواز الإحرام بالحجّ قبل أشهر الحج ؛ فروي عن ابن عبّاس وجابر وعطاء ومجاهد وعكرمة أنّهم قالوا : ( لا يحرم الرّجل بالحجّ قبل أشهر الحجّ ) . وقال عطاء : ( من فعل ذلك فيجعلها عمرة ) . وقال الشافعيّ : ( تكون عمرة ) . وعن إبراهيم النخعيّ : ( جواز الإحرام بالحجّ قبل أشهر الحجّ ) وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ؛ ومالك والليث ؛ والثوري . وحجّتهم : قوله عزّ وجلّ : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ . وهذا عموم في كون الأهلّة كلها وقتا