الطبراني
321
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
فأصبحت قد أجهدني الصّوم . فاغتمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه تعالى : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) « 1 » . أي كلوا في ليالي الصّوم واشربوا فيها حتى يتبين لكم بياض النهار وضوءيه من سواد الليل وظلمته ، كذا قال المفسّرون . وقيل : معناه حتى يتبين لكم الفجر الأول من الثاني ، قال الشاعر : الخيط الأبيض قبل الصّبح منصدع * والخيط الأسود حين اللّيل مركوم وعن عديّ بن حاتم قال : علّمني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الصّلاة والصّيام فقال : [ صلّ كذا وكذا ، وصم كذا وكذا ، فإذا غابت الشّمس فكل واشرب حتّى يتبيّن لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود ؛ وصم ثلاثين يوما إلّا أن ترى الهلال قبل ذلك ] قال : فأخذت خيطين من حرير أبيض وأسود ، وكنت أنظر فيهما فلا يتبيّن لي ، فذكرت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فضحك حتّى بدت نواجذه ، فقال : [ يا عدي ، إنّما ذلك بياض النّهار من سواد اللّيل ] « 2 » . وقوله : ( مِنَ الْفَجْرِ ) يعني المستطير الذي ينتشر ويأخذ الأفق ؛ وهو الثاني ؛ وهو الفجر الصادق الذي تحلّ فيه الصّلاة ؛ ويحرم فيه الطعام على الصّيام . وأما الفجر الأول ؛ وهو الذي يستطع في السّماء مستطيلا كذنب السّرحان ولا ينتشر ؛ فذلك من الليل لا تحلّ الصلاة فيه ، ولا يحرم الطعام فيه على الصائم ؛ وهو الفجر الكاذب « 3 » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصحيح : كتاب الصوم : الحديث ( 1915 ) . وأبو داود في السنن : كتاب الصوم : باب مبدأ فرض الصوم : الحديث ( 2314 ) . ( 2 ) في الدر المنثور : ج 2 ص 481 ؛ قال السيوطي : « أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم » وأصله في جامع البيان للطبري : النص ( 2448 ) . ورواه البخاري في الصحيح : كتاب التفسير : سورة البقرة : الباب ( 28 ) : الحديث ( 4510 ) . وأبو داود في السنن : كتاب الصوم : الحديث ( 2349 ) . ( 3 ) في الدر المنثور : ج 2 ص 482 ؛ قال السيوطي : « وأخرج ابن شيبة وابن جرير والدارقطني والبيهقي عن محمّد بن عبد الرحمن عن ثوبان ؛ أنه بلغه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : [ الفجر فجران ، فأمّا الّذي كأنّه ذنب السّرحان ، فإنّه لا يحلّ شيئا ولا يحرّمه . وأمّا المستطير الّذي يأخذ الأفق ، فإنّه يحلّ الصّلاة ويحرّم الطّعام ] . قال : وأخرجه الحاكم من طريقه عن جابر موصولا » . وهو في جامع البيان : النص ( 2453 ) .