الطبراني
31
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
والعربية وصف للفظ القرآن لا لمعانيه لأن معانيه معاني إنسانيّة وليست معاني عربيّة ، وهي لبني الإنسان وليست للعرب . وأما قوله تعالى وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا « 1 » فإن معناها حكمة مترجمة بلسان العرب ، وليس معناه حكمة عربية . فالعربية وصف للفظه ليس غير . ولفظه لا يوصف إلّا بالعربية فحسب ، وهو لا اسم له على مسمّاه غير العربية لا حقيقة ولا مجازا ولذلك لا يصحّ أن يقال عن كتابة بعض معانيه بغير اللغة العربية إنّها قرآن . فعربية القرآن حتميّة وهي عربية لفظه فحسب . والقرآن هو معجزة للنبي محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم . وإنه وإن كانت هنالك معجزات أخرى للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . قد جرت على يده غير القرآن ، كما ورد ذلك في القرآن نفسه وفي صحاح السّنة ، فإن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم يتحدّ بها ، بل كان التحدّي بالقرآن وحده . ولذا نقول إنّ القرآن هو معجزة النبي محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم التي بها ثبتت رسالته منذ نزول القرآن عليه إلى يوم القيامة . وقد أعجز القرآن العرب عن أن يأتوا بمثله وتحدّاهم أن يأتوا بمثله ، فقال تعالى في تحدّيه لهم : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 2 » وقال : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 3 » وقال : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 4 » وقد بلغ من تحديه لهم أنه قال لهم لا تستطيعون أن تأتوا بمثله ، قال تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 5 » . فعجز الذين خوطبوا بالقرآن عن أن يأتوا بمثله ، وعجزهم هذا ثابت بطريق التواتر ولم يعرف التاريخ ولا روى أحد أنّهم أتوا بمثله .
--> ( 1 ) الرعد / 37 . ( 2 ) البقرة / 23 . ( 3 ) يونس / 38 . ( 4 ) هود / 13 . ( 5 ) الإسراء / 88 .