الطبراني

32

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وهذا التحدي ليس خاصّا بالذين خوطبوا بل هو تحدّ عام إلى يوم القيامة . لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . فالقرآن متحدّ البشر كلهم منذ نزوله إلى يوم القيامة أن يأتوا بمثله . ولذلك ليس القرآن معجزا للعرب الذين كانوا في أيّام الرسول فقط ، ولا للعرب وحدهم في كلّ مكان وزمان ، بل هو معجز للناس أجمعين ، لا فرق في ذلك بين قبيل وقبيل ، لأن الخطاب به للناس أجمعين . قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ « 1 » ولأن آيات التحدي عامّة تقول : وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ * وهو يشمل الناس جميعا ، ولأن القرآن أخبر عن عجز الإنس والجنّ قال تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ . وعجز العرب عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، وعجز الناس جميعا عن أن يأتوا بمثله ، إنما هو لأمر ذاتي في القرآن نفسه . فإن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن أقبلوا عليه مأخوذين بقوة بلاغته ، حتى أن الوليد بن المغيرة ليقول للناس : وقد سمع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقرأ القرآن [ واللّه ما منكم رجل أعرف بالأشعار منّي ولا أعلم برجزه وقصيدة منّي ، واللّه ما يشبه الّذي يقوله شيئا من هذا ، واللّه إنّ لقوله الّذي يقوله لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّه لمورق أعلاه مغدق أسفله ، وإنّه ليعلو ولا يعلى عليه ] « 2 » مع أن الوليد هذا لم يؤمن وأصرّ على كفره . فالإعجاز آت من ذات القرآن ، لأن الذين سمعوه والذين يسمعونه إلى يوم القيامة يشهدون ويتحيّرون من قوّة تأثيره وقوّة بلاغته ، بمجرّد

--> ( 1 ) سبأ / 28 . ( 2 ) ينظر : السيرة النبوية لابن هشام : ج 1 ص 289 وفيه تفصيل قصة ( تحيّر الوليد بن المغيرة فيما يصف فيه القرآن ) . والمستدرك على الصحيحين للحاكم : كتاب التفسير : باب مدح كلام اللّه من لسان الكافر : ج 2 ص 507 عن أبي سعيد الخدري : وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه . ووافقه الذهبي في التلخيص . ودلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للبيهقي : باب اعتراف مشركي قريش بما في كتاب اللّه من الإعجاز وأنه لا يشبه شيئا من لغتهم : ج 2 ص 198 . والجامع لأحكام القرآن للقرطبي : ج 19 ص 74 . وأسباب النّزول للواحدي : ص 295 . والبرهان في علوم القرآن للزركشي : ج 2 ص 17 . ولباب النقول في أسباب النّزول : ص 223 .