الطبراني

26

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

2 . أما حديث معاوية ، أنه كان يكتب بين يدي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له : [ يا معاوية ألق الدّواة وحرّف القلم وانصب الباء وفرّق السّين ولا تغوّر الميم وحسّن اللّه ومدّ الرّحمن وجوّد الرّحيم ، وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنّه أذكر لك ] « 1 » . 3 . لعل توجيه القاضي عياض لهذه الأحاديث ، حين يغضّ النظر عن سندها ، هو الأصحّ في المسألة ، بقوله : ( وهذا وإن لم تصحّ الرواية أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كتب ، فلا يبعد أن يرزق علم هذا ، ويمنع القراءة والكتابة ) « 2 » . بمعنى أن وصف الرسول سيدنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بجري القلم على يد الكاتب في رسم الحروف ، وخطّ شكلها ، مأمور به من اللّه ، فيأتي به الوحي ليعلّم الكاتب رسم الحرف وخط شكله ، وهذا يتفق وأن رسم حرف القرآن توقيف من اللّه ، وتفسير لسبب تغاير خطّ القرآن عن خط رسائل المصطفى عليه الصّلاة والسّلام للملوك والرؤساء ، مع أن الكتّاب أنفسهم من كتبة الوحي بين يديه صلّى اللّه عليه وسلّم ستة وعشرون كاتبا أو أكثر . تمسّك الفقيه الأندلسي أبو الوليد الباجي ، بظاهر حديث مسلم في صلح الحديبية ، فادعى أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن الكتابة . فشنّع عليه علماء الأندلس في زمانه ورموه بالزندقة ، وأن الذي قاله يخالف القرآن . فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة وقال للأمير : هذا لا ينافي القرآن ، بل يؤخذ من مفهوم القرآن لأنه قيّد النفي قبل ورود القرآن فقال : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ « 3 » . وبعد أن تحقّقت أمّيته وتقررت بذلك معجزته وأمن الارتياب في ذلك لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم فتكون معجزة أخرى .

--> ( 1 ) أخرجه الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب : الرقم ( 8533 ) . قال في الفتح : وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث . ( 2 ) حكاه القرطبي في الجامع : ج 3 ص 353 . ( 3 ) العنكبوت / 48 .