الطبراني
244
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
المدينة كما حرّم إبراهيم مكّة ] « 1 » . والأصحّ : أنّها كانت حرما آمنا قبل دعائه بدليل قوله عليه الصّلاة والسّلام : [ إنّ اللّه حرّم مكّة يوم خلق السّموات والأرض ووضعها بين أخشبين ] « 2 » أي جبلين ؛ فعلى هذا كانت أمنا قبل دعائه من الخسف والاصطلام لأهله . وكان اللّه قد جعل في قلوب الناس هيبة ذلك المكان حتى كانوا لا ينتهكون حرمة من كان فيه بمال ولا بنفس ، ثم بدعاء إبراهيم صارت حرما آمنا بأن أمر اللّه الناس بتعظيمه على ألسنة الرّسل . والواو في قوله ( وَمَنْ كَفَرَ ) دليل على إجابة اللّه دعوة إبراهيم خاصة . قوله تعالى : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ ؛ قيل : إنّ اللّه تعالى خلق موضع البيت قبل أن يخلق الأرض بألفي عام ، وكان ربوة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحتها ، فلّما أهبط اللّه آدم إلى الأرض كان رأسه يلمس السماء حتى صلع ، وأورث أولاده الصلع . ونفرت من طوله دوابّ الأرض ، وكان يسمع كلام أهل السماء وتسبيحهم ، ويأنس إليهم . فاشتكت نفسه فقبضه اللّه إلى ستين ذراعا بذراع آدم . فلما فقد آدم ما كان يسمع من أصوات الملائكة وتسبيحهم استوحش وشكى إلى اللّه ، فأنزل اللّه ياقوتة من ياقوت الجنة لها بابان من زمرّدة خضراء ؛ باب شرقي وباب غربيّ ، وفيه قناديل من الجنة ، فوضعه على موضع البيت الآن . ثم قال : يا آدم إنّي أهبطت لك بيتا يطّوّف به كما يطاف حول عرشي ، ويصلّى عنده كما يصلّى عند عرشي . وأنزل عليه الحجر ليمسح به دموعه وكان أبيض . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إنّ الحجر ياقوتة من ياقوت الجنّة ، ولولا ما مسّه المشركون بأنجاسهم ما مسّه ذو عاهة إلّا شفاه اللّه تعالى ] « 3 » . فتوجّه آدم من أرض الهند إلى مكّة ماشيا ، وقيّض له ملك يدلّه على البيت .
--> ( 1 ) رواه مسلم في الصحيح : كتاب الحج : باب فضل المدينة : الحديث ( 454 / 1360 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص ( 1668 ) . ( 3 ) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان : باب في المناسك : فضيلة الحجر الأسود : النص ( 4030 و 4033 ) في إسناد أيوب بن سويد ، وهو لين الحديث ، فهو حسن لغيره .