الطبراني
197
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
ويومان ، وفيما زاد على العشرة أحد عشر ؛ وليس لأحد أن يعترض على هذا بقوله في ليلة الصّيام : أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أراد بها الشهر كلّه ؛ لأنه ظاهر لفظ الأيّام من الثلاثة إلى العشرة . إلّا أنه قد يذكر ويراد به الزيادة ، وقد فسّر اللّه تعالى أيام الصوم بالشّهر ، فانعقد بذلك التفسير . وأما أيام الحيض فمبهمة ؛ فلا بدّ أن تكون محصورة ؛ لأن الأحكام تختلف بحال الحيض والطّهر ، فكان حمل اللفظ على ظاهره وحقيقته أولى « 1 » .
--> ( 1 ) القول بأن لفظ ( معدودة ) في الآية للقلة ، كقوله تعالى : بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ، وفي آية الصوم أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ مما يفيد الزيادة والكثرة ، فإنه لا يسلّم له ؛ لوجود المعارضة من أوجه عديدة : الأول : أن لفظ مَعْدُوداتٍ ورد وهو يفيد القلة أيضا كقوله تعالى : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى [ البقرة / 203 ] وهي أيام التشريق ثلاثة أيام ، وكقوله تعالى : لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ [ الحج / 28 ] ، وفي الأثر عن ابن عباس قال : « الأيام المعلومات : الأيام العشر ، والأيام المعدودات : أيام التشريق » وإسناده حسن . فعلى هذا ، فإن الفهم فيه نظر ، وعليه جواب فلا يسلّم له . ومن وجه ثان : أن صفة الجمع التاء أو الألف أو التاء متعلقة الاسم إن كان مذكرا أو مؤنثا ، وقد يرد على الوجهين ، كما في صورة ( معدودة ) و ( معدودات ) ، وذلك أن الاسم إذا كان مذكرا ، فالأصل في جمعه التاء ، يقال : كوز وكيزان مكسورة ، وثياب مقطوعة . وإن كان مؤنثا كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء ، يقال : جرّة أو جرار مكسورات ، وخابية وخوابي مكسورات ، إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور ، وعلى هذا ورد قوله فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ وقوله تعالى : أَيَّاماً مَعْدُودَةً ، والأيام المعدودات في قوله : أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ هي أيام التشريق كما تقدم ، وهي ثلاثة أيام ، والأيام المعلومات في قوله : أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ هي الأيام العشر ، وهو جمع أيضا يتعين معناه بالأيام العشر . ولكن على ما يبدو لنا أنه يفيد معنى آخر : أن اليهود استهانوا بالأيام وهوّنوا أمرها واستخفوا بها ؛ فالمسألة ليس متعلقها العدد ، وإنما متعلقها شأن هذه الأيام وأثرها عليهم . ولهذا تعدّ أنّها تفيد العدد المفتوح قلة أو كثرة ، ولكنها ارتبطت في الذهن بالشأن ، فذكر اللّه عظم هذه الأيام بالألف والتاء ؛ ليتسع معهودها الذهني للزيادة في الثواب حين اقترنت بذكر اللّه . واللّه أعلم . أما الاحتجاج بالحديثين ، فإنه بمقتضى الدلالة العقلية للنصوص الشرعية ، إذ إن الموضوع مختلف في الصور الثلاث : صورة العذاب ، وصورة الحج ، وصورة الحيض . وأيام الأقراء غير محددة فهي مبهمة ، وغير المحدد لا يبنى عليه فهم لأنه غير معروف أو هو مقدّر ، وذلك أن -