الطبراني

136

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

يخاف السّباع على نفسه ، فيوقد نارا ليأمن بها السباع ، فَلَمَّا أَضاءَتْ ، النار ، ما حَوْلَهُ المستوقد ؛ طفئت . فبقي في الظلمة ؛ كذلك المنافق يخاف على نفسه من قبل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه فيسلم دماء الناس فيحقن دمه ، ويناكح المسلمين فيكون له نور بمنزلة نور نار المستوقد ؛ فإذا بلغ آخرته لم يكن لإيمانه أصل في قلبه ، ولا حقيقة في عمله ، سلب نور الإيمان عند الموت فيبقى في ظلمة الكفر ، نستعيذ باللّه . وقوله تعالى : ( اسْتَوْقَدَ ) يعني أوقد ، قال الشاعر « 1 » : وداع دعايا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقوله تعالى : ( كَمَثَلِ الَّذِي ) بمعنى ( الذين ) دليله سياق الآية ؛ ونظيره قوله تعالى : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ « 2 » . فإن قلت : كيف يجوز تشبيه الجماعة بالواحد ؟ قلت : لأن ( الّذي ) اسم ناقص ، فيتناول الواحد والاثنين ك ( من ) و ( ما ) ، وفي الآية ما يدلّ على أن معناه الجمع ، وهو قوله تعالى : ( وَتَرَكَهُمْ ) . وقد يجوز تشبيه فعل الجماعة بفعل الواحد مثل قوله تعالى : تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ « 3 » . وقوله تعالى : ( أَضاءَتْ ) يقال : ضاء القمر يضوء ضوءا ، وأضاء يضيء إضاءة ؛ وإضاءة غيره يكون لازما ومتعدّيا . وقرأ محمّد بن السّميقع : ( ضاءت ) بغير ألف ؛ و ( حوله ) نصب على الظرف . قوله تعالى : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ؛ أي أذهب اللّه نورهم . وإنّما قال : ( بِنُورِهِمْ ) والمذكور في أوّل الآية النار ؛ لأنّ النار فيها شيئان : النّور والحرارة ؛ فذهب نورهم ؛ وبقي الحرارة عليهم ، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) . وفي بعض التفاسير : قال ابن عبّاس ؛ وقتادة ؛ والضحّاك : ( معنى الآية : مثلهم في الكفر ونفاقهم كمن أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء به ، واستدفأ ورأى ما حوله ، فاتّقى ما يحذر ونجا ممّا يخاف وأمن ؛ فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره ؛ فبقي مظلما خائفا متحيّرا ؛ فكذلك المنافقون إذا أظهروا كلمة الإيمان

--> ( 1 ) هو كعب بن سعد الغنويّ ، يرثي أخاه أبا المغوار ، والبيت أورده الأخفش في معاني القرآن : ج 1 ص 49 و 208 : الشاهد ( 27 ) ؛ وقال : « أي فلم يجبه » . ( 2 ) الزمر : 33 . ( 3 ) الأحزاب : 19 .