الطبراني
125
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قيل : لمّا نزل قوله عزّ وجلّ : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ الآية ، قالت اليهود : نحن نؤمن بالغيب ونقيم الصلاة وننفق مما رزقنا اللّه ؛ فأنزل اللّه تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ، والذي أنزل إليه القرآن والذي أنزل من قبله التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزّلة ؛ فنفروا من ذلك . فإن قيل : لم قال : وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 ) ، ولم يقل يؤمنون ؟ قيل : لأنّ الإيقان توكيد الإيمان ؛ واليقين بالآخرة يقين خبر ودلالة ، ومعنى الآية : وبالدار الآخرة هم يعلمون ويستيقنون أنّها كائنة « 1 » . قوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) . أي أهل هذه الصفة على رشد وثبات وصواب من ربهم . والمفلحون : الناجون الفائزون بالجنة ، ونجوا من النار . وقيل : هم الباقون بالثواب والنعيم المقيم . قوله عزّ وجلّ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) ، يعني مشركي العرب . وقال الضحّاك : ( نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته ) . وقال الكلبيّ « 2 » : ( يعني اليهود ) وقيل : المنافقين . والكفر : هو الجحود والإنكار « 3 » . قوله تعالى : ( أَ أَنْذَرْتَهُمْ ) الإنذار : التحذير والتخويف . ( أَمْ لَمْ
--> ( 1 ) اليقين : هو العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكّا فيه ؛ فلذلك لا تقول : تيقّنت وجود نفسي ، وتيقّنت أن السماء فوقي ، ويقال ذلك في العلم الحادث ، سواء أكان ذلك العلم ضروريا أم استدلاليا . فالإيقان واليقين علم من استدلال ونظر ؛ لهذا قد يعبر باليقين عن الظن ؛ ومنه قول قسم من الفقهاء في اليمين اللغو : « هو أن يحلف باللّه على أمر يوقنه ثم يتبيّن له أنه خلاف ذلك ، فلا شيء عليه » . الجامع لأحكام القرآن : ج 1 ص 181 . واللباب في علوم الكتاب للحنبلي : ج 1 ص 301 . ( 2 ) هو محمّد بن السائب الكلبي ، أحد المفسرين الذين يرجع تفسيرهم إلى تفسير ابن عباس ، وترجع شهرته أيضا إلى كونه مؤرخا ونسّابة وجغرافيا ، كان له ميل إلى التشيع بالمفهوم القديم . أما روايته فكثيرا ما توصف بأنّها ضعيفة ، عاش قبل سنة ( 66 ) من الهجرة إلى ( 146 ) من الهجرة ، وله كتاب في التفسير . ( 3 ) الكفر في اللغة : ستر الشيء ، وفي الشريعة عدم الإيمان عما من شأنه يجب الإيمان به . ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص ؛ لأن أصله في كلام العرب الستر والتغطية . والكافر أيضا البحر والنهر العظيم . والكافر : الزّارع . والجمع الكفار ، قال اللّه تعالى : كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ -