الطبراني

124

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قوله عزّ وجلّ : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) ؛ نصب على الحال ؛ إما من ( ذلِكَ الْكِتابُ ) ؛ كأنه قال : ذلك الكتاب هاديا . وإما من لا رَيْبَ فِيهِ كأنه قال لا رَيْبَ فِيهِ في حال هدايته . ويجوز أن يكون موضعه رفعا على إضمار ( هو ) ، أو ( فِيهِ ) . فإن قيل : لم خصّ المتقين ؛ وهو هدى لهم ولغيرهم ؟ قيل : تخصيص الشيء بالذكر لا يدلّ على نفي ما عداه ، وفائدة التخصيص تشريف المتقين ، ومثله : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ « 1 » إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها « 2 » . قوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ؛ أي بالبعث والحساب والجنّة والنار . وقيل : ( الغيب ) هو اللّه . قوله تعالى : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ، أي الصّلوات الخمس بشرائطها في مواقيتها . قوله تعالى : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) ؛ يعني الزكاة ؛ وهو الأظهر ؛ لأن اللّه تعالى قرن بين الصلاة والزكاة في مواضع كثيرة ، وإقامة الصلاة طهارة الأبدان ؛ وإعطاء الزكاة طهارة الأموال . وبالأموال قوام الأبدان ، وقد قيل : هو نفقة الرجل على أهله .

--> - ويقال : أراب الأمر ؛ أي صار ذا ريب ، واستراب به ؛ أي رأى منه ما يريبه من ظنه السوء ، وأمر ريّاب ؛ أي مفزع ، وارتاب : شكّ ، وارتاب به : اتّهمه . قال جميل بثينة : بثينة ؛ قالت : يا جميل أربتني * فقلت : كلانا يا بثين مريب والريب قريب من الشك وفيه زيادة ؛ كأنه ظن السّوء ؛ تقول : رابني أمر فلان إذا ظننت به سوء وتوهّمته حتى ينكشف ، فهو قلة يقين كما في قوله تعالى : لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ [ التوبة : 110 ] . لهذا كان الريب قريبا من الشكّ ؛ لأنه كما قال الجويني : « الشك ما استوى فيه اعتقادان أو لم يستويا ، ولكن لم ينته أحدهما إلى درجة الظهور الذي يبني عليه العاقل الأمور المعتبرة » والريب ما لم يبلغ درجة اليقين وإن ظهر نوع ظهور ، فالشك يسبق الريب ؛ لأنه سبب الريب ، فهو مبدأ له كما أن العلم مبدأ اليقين . قال الكفوي وغيره : « والريب قد يجيء بمعنى القلق والاضطراب ، والحديث [ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، فإنّ الصّدق طمأنينة والكذب ريبة ] » . ينظر : مفردات غريب القرآن للراغب : ص 368 ، تحقيق صفوان عدنان . والكليات للكفوي : ص 528 . وكتاب الغريبين للهروي : ج 3 ص 802 . والقاموس المحيط للفيروزآبادي . ( 1 ) يس : 11 . ( 2 ) النازعات : 45 .