عبد الله بن يحيى بن المبارك الزيدي

27

غريب القرآن وتفسيره

3 - عصره وبيئته : شهد الإمام اليزيدي النصف الثاني من القرن الثاني والثلث الأول من القرن الثالث للهجرة ، وفيهما نضجت العلوم واستقلت ، وتنوعت المعارف ، فظهر الكثير من الكتب في مختلف الموضوعات ، وخاصة في العلوم القرآنية ، وازدهر علم النحو فتركزت أسس المدرستين البصرية والكوفية ، كما ازدهر علم الكلام فتبلورت الفرق الدينية من جبرية وقدرية ومرجئة ومعتزلة وأشعرية ، واحتدم النقاش والجدل في مسائل دينية كثيرة لم يكن للسلف الصالح عهد بها . ونشط التعليم الذي كان يبدأ عادة في الكتاتيب حيث يتعلم التلميذ مبادئ القراءة والكتابة وبعض سور القرآن الكريم وشيئا من الحساب وبعض الأشعار والأمثال . وكان بجانب معلمي أولاد العامة معلمون لأبناء الخاصة كان منهم اللغوي والإخباري والفقيه والمحدّث والمقرئ . كما كان لأبناء الخلفاء والوزراء وكبار القادة معلمون خاصون كانت تدفع لهم الرواتب العالية فيعيشون في رفاه ورغد عيش ، من هؤلاء الكسائي مؤدب الأمين ويحيى اليزيدي مؤدب المأمون . وكان عهد المأمون من أرقى عهود العلم والمعرفة في هذه الفترة ، فقد كان هو نفسه محبا للعلم ، ذا معرفة واسعة بالعلوم الدينية كالحديث والتفسير والفقه واللغة ، وقد لمس المأمون في الأمة شوقا إلى العلم والبحث فأنشأ بيت الحكمة الذي كان يضم مكتبة عظيمة ودارا لنسخ الكتب ودارا للتأليف ودارا للترجمة . وأغدق الأعطيات حتى أنه كان يدفع للناقل زنة ما ينقله ذهبا ، وكان مجلس المأمون ساحة للجدال والمناظرة ، إذ حول دار الخلافة في بغداد إلى ندوات علمية تتناول شتى صنوف المعرفة . أما المساجد فكانت ساحات العلم الكبرى يأتي إليها الطلاب لينهلوا من معينها ، وكان لكل فرع من فروع المعرفة حلقة متخصصة ، فهنا فقيه وهناك