الأخفش
8
معاني القرآن
فائدة : وأما كلام الصوفية في القرآن ، فليس بتفسير . قال النسفي في عقائده : النصوص محمولة على ظواهرها ، والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن إلحاد . وقال التفتازاني في شرحه : سميت الملاحدة باطنية لا دعائهم أن النصوص ليست على ظواهرها ، بل لها معان باطنة لا يعرفها إلا المعلم . وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية . وأما ما ذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص مصروفة على ظواهرها ، ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق ، تنكشف على أرباب السلوك ، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة ، فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان . فإن قلت قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لكل آية ظهر وبطن ، ولكلّ حرف حدّ ، ولكل حد مطلع » « 1 » . قلت : أما الظهر والبطن ففي معناه أوجه : أحدها أنك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها ، وقفت على معناها . والثاني ما من آية إلا عمل بها قوم ولها قوم سيعملون بها ، كما قاله ابن مسعود فيما أخرجه . والثالث أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها . والرابع ، وهو أقرب إلى الصواب ، أن القصص التي قصها اللّه تعالى عن الأمم الماضية ، وما عاقبهم به ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين ، وباطنها وعظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم . والخامس أن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر ، وبطنها ما تضمنه من الأسرار أطلع اللّه عليها أرباب الحقائق . ومعنى قوله : ولكل حرف حد ، أي منتهى فيما أراد من معناه . وقيل : لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب . ومعنى قوله : ولكل حد مطلع ، لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يتوصل به إلى معرفته ، ويوقف على المراد به . وقيل : كل ما يستحقه من الثواب والعقاب ، يطلع عليه في الآخرة عن المجازاة . وقال بعضهم : الظاهر التلاوة ، والباطن الفهم ، والحد أحكام الحلال والحرام ، والمطلع الإشراف على الوعد والوعيد . قال بعض العلماء : لكل آية ستون ألف فهم فهذا يدل على أن في فهم المعاني للقرآن مجالا متسعا ، وأن
--> ( 1 ) غريب الحديث : 2 / 59 .