الأخفش

44

معاني القرآن

وقوله وإذا لقوا الّذين ءامنوا قالوا ءامنّا [ الآية 14 ] فأذهب الواو لأنه كان حرفا ساكنا لقي اللام وهي ساكنة فذهبت لسكونه ولم تحتج إلى حركته لأن فيما بقي دليلا على الجمع . وكذلك كل واو ما قبلها مضموما من هذا النحو . فإذا كان ما قبلها مفتوحا لم يكن بد من حركة الواو لأنك لو ألقيتها لم تستدل على المعنى نحو اشتروا الضّللة [ الآية 16 ] وحركت الواو بالضم لأنك لو قلت « اشتر الضلالة » فألقيت الواو لم تعرف أنه جمع ، وإنما حركتها بالضم لأن الحرف الذي ذهب من الكلمة مضموم ، فصار يقوم مقامه . وقد قرأ قوم وهي لغة لبعض العرب « اشتروا الضلالة » لما وجدوا حرفا ساكنا قد لقي ساكنا كسروا كما يكسرون في غير هذا الموضع ، وهي لغة شاذة . وأما قوله وإذا خلوا إلى شيطينهم [ الآية 14 ] فإنك تقول : « خلوت إلى فلان في حاجة » كما تقول : « خلوت بفلان » إلّا أنّ « خلوت بفلان » له معنيان : أحدهما هذا والآخر سخرت به . وتكون « إلى » في موضع « مع » نحو من أنصارى إلى اللّه [ آل عمران : الآية 52 ] كما كانت « من » في معنى « على » في قوله ونصرنه من القوم [ الأنبياء : الآية 77 ] أي : على القوم ، وكما كانت الباء في معنى « على » في قوله « مررت به » و « مررت عليه » . وفي كتاب اللّه عزّ وجل مّن إن تأمنه بدينار [ آل عمران : الآية 75 ] يقول « على دينار » . وكما كانت « في » في معنى « على » نحو في جذوع النّخل [ طه : الآية 71 ] يقول : « على جذوع النخل » . وزعم يونس « 1 » أن العرب تقول : « نزلت في أبيك » تريد « عليه » وتقول : « ظفرت عليه » أي « به » و « رضيت عليه » أي « عنه » . قال الشاعر : [ الوافر ] 24 - إذا رضيت عليّ بنو قشير * لعمر اللّه أعجبني رضاها « 2 »

--> ( 1 ) يونس : هو أبو عبد الرحمن يونس بن حبيب البصري الأديب النحوي ، ولد سنة 94 ه ، وتوفي سنة 183 ه ، له من المصنفات : « كتاب الأمثال » ، « كتاب اللغات » ، « كتاب النوادر الصغير » ، « كتاب النوادر الكبير » ، « معاني الشعر » ، « معاني القرآن » ( كشف الظنون 6 / 571 ، وانظر ترجمته في أخبار النحويين ص 27 ، ومراتب النحويين 21 ، وطبقات النحويين 51 ، وإنباه الرواة 4 / 68 ، وبغية الوعاة 426 ) . ( 2 ) البيت للقحيف العقيلي في أدب الكاتب ص 507 ، والأزهية ص 277 ، وخزانة الأدب 10 / 132 ، 133 ، والدرر 4 / 135 ، وشرح التصريح 2 / 14 ، وشرح شواهد المغني 1 / 416 ، ولسان العرب ( رضي ) ، والمقاصد النحوية 3 / 282 ، ونوادر أبي زيد ص 176 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 118 ، والإنصاف 2 / 630 ، وأوضح المسالك 3 / 41 ، وجمهرة اللغة ص 1314 ، والجنى الداني ص 477 ، والخصائص 2 / 311 ، 389 ، ورصف المباني ص 372 ، وشرح -