الأخفش
119
معاني القرآن
انتهوا وهو قد علم أنهم لا ينتهون إلا بعضهم فكأنه قال : « إن انتهى بعضهم فلا عدوان إلا على الظالمين منهم » فأضمر . كما قال فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر [ الآية 196 ] أي : فعليه ما استيسر كما تقول « زيدا أكرمت » وأنت تريد « أكرمته » وكما تقول « إلى من تقصد أقصد » تريد « إليه » . وأما قوله فإن أحصرتم [ الآية 196 ] فلأنك تقول : « أحصرني بولي » و « أحصرني مرضي » أي : جعلني أحصر نفسي . وتقول : « حصرت الرجل » أي : حبسته ، فهو « محصور » . وزعم يونس « 1 » عن أبي عمرو « 2 » أنه يقول : « حصرته إذا منعته عن كلّ وجه » وإذا منعته من التقدم خاصة فقد « أحصرته » ، ويقول بعض العرب في المرض وما أشبهه من الإعياء والكلال : « أحصرته » . وقال ففدية مّن صيام [ الآية 196 ] أي : فعليه فدية . وقال فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة [ الآية 196 ] فإنما قال عشرة كاملة [ الآية 196 ] وقد ذكر سبعة وثلاثة ليخبر أنها مجزية ، وليس ليخبر عن عدتها ، ألا ترى أن قوله كاملة [ البقرة : الآية 196 ] إنما هي « وافية » . وقد ذكروا أنّه في حرف ابن مسعود « 3 » : تسع وتسعون نعجة أنثى وذلك أن الكلام يؤكد بما يستغنى به عنه كما قال فسجد الملائكة كلّهم أجمعون ( 30 ) [ الحجر : الآية 30 ] . وقد يستغنى بأحدهما ، ولكن تكرير الكلام كأنه أوجب . ألا ترى أنك تقول : « رأيت أخويك كليهما » ولو قلت : « رأيت أخويك » استغنيت فتجيء ب « كليهما » توكيدا . وقال بعضهم في قول ابن مسعود « أنثى » أنه إنما أراد « مؤنّثة » يصفها بذلك لأن ذلك قد يستحب من النساء .
--> ( 1 ) يونس : هو يونس بن حبيب ، تقدمت ترجمته . ( 2 ) أبو عمرو : هو أبو عمرو بن العلاء ، زبان بن العلاء بن عمار بن الريان المازني البصري ، أكثر القراء السبعة شيوخا ، أخذ القراءة عن أنس بن مالك ، وحميد بن قيس الأعرج ، وسعيد بن جبير ، وشيبة بن نصاح ، وأبي العالية ، وعاصم بن أبي النجود ، وعبد اللّه بن كثير المكي ، وعطاء ، ومجاهد ، وابن محيصن ، وغيرهم . وروى عنه كثير ، منهم : عبد اللّه بن المبارك ، ويحيى بن المبارك اليزيدي وغيرهما ، ولد بمكة سنة 68 ه ، وتوفي سنة 154 ه . ( شذرات الذهب 1 / 237 ، غاية النهاية 1 / 288 ) . ( 3 ) ابن مسعود : هو عبد اللّه بن مسعود ، تقدمت ترجمته .