يحيى بن زياد الفراء
53
معاني القرآن
بعده فاختاروا « بَلى » « 1 » لأنّ أصلها كان رجوعا محضا عن الجحد إذا قالوا : ما قال عبد اللّه بل زيد ، فكانت « بل » كلمة عطف ورجوع لا يصلح الوقوف عليها ، فزادوا فيها ألفا يصلح فيها الوقوف عليه ، ويكون رجوعا عن الجحد فقط ، وإقرارا بالفعل الذي بعد الجحد ، فقالوا : « بَلى » ، فدلّت « 2 » على معنى الإقرار والإنعام ، ودل لفظ « بل » على الرجوع عن الجحد فقط . وقوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ . . . ( 83 ) رفعت تَعْبُدُونَ لأنّ دخول « أن » يصلح فيها ، فلمّا حذف الناصب رفعت ، كما قال اللّه : « أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ » « 3 » ( قرأ الآية ) « 4 » وكما قال : « وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ » « 5 » وفي قراءة عبد اللّه « ولا تمنن أن تستكثر » فهذا وجه من الرفع ، فلما لم تأت بالناصب رفعت . وفي قراءة أبىّ : « وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا » ومعناها الجزم بالنهى ، وليست بجواب لليمين . ألا ترى أنه قد قال : « وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ » * « 6 » فأمروا ، والأمر لا يكون جوابا لليمين ؛ لا يكون في الكلام أن تقول : واللّه قم ، ولا أن تقول : واللّه لا تقم . ويدلّ على أنه نهى وجزم أنه قال : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً كما تقول : افعلوا ولا تفعلوا ، أو لا تفعلوا وافعلوا . وإن شئت جعلت
--> ( 1 ) هذا على رأى من يقول : إن أصل « بلى » . « بل » والألف في آخرها زائدة للوقف ، فلذا كانت للرجوع بعد النفي ، كما كانت للرجوع عند الجحد في : ما قام زيد بل عمرو ، وقال قوم : إن « بلى » أصل الألف . ( 2 ) أي الألف . ( 3 ) آية 64 سورة الزمر . ( 4 ) أي قرأ الفرّاء الآية كلها ، وهذا من المستملي . وسقط هذا في ش ، ج . ( 5 ) آية 6 سورة المدثر . ( 6 ) آية 63 من سورة البقرة .