ابن قتيبة الدينوري

78

تأويل مشكل القرآن

إذا حثّهنّ الرّكب في مدلهمّة * أحاديثها مثل اصطخاب الضّرائر وكقول زهير « 1 » : تسمع للجنّ عازفين بها * تضبح عن رهبة ثعالبها في أشباه لهذا كثيرة - طلبوا الحيلة فقالوا : علّة ما يسمعون من هذا ويرون - انفراد القوم وتوحّشهم في الفلوات والقفار ، ومن انفرد فكّر وتوهّم واستوحش وتخيّل ، فرأى ما لا يرى ، وسمع ما لا يسمع ، كما قال حميد بن ثور « 2 » : مفزّعة تستحيل الشّخوص * من الخوف تسمع ما لا ترى وقالوا : ومن أحناش الأرض ، وأحناش الطير في المهامة والرمال - ما لا يظهر ولا يصوّت إلا بالليل كالصّدى والضّوع والبوم واليراع ، فإذا سمع أحدهم حسيس هامة ، أو زقاء بوم ، أو رأى لمع يراعة من بعد - وجب قلبه ، وقفّ شعره ، وذهبت به الظّنون . وقالوا : في النهار ساعات تتغيّر فيها مناظر الأشباح ، وتتضاعف أعدادها ، وفربما رئي الصغير كبيرا ، والكبير صغيرا ، والواحد اثنين ، وقد يسمع لأصوات الفلا والحرار ، مثل الدّويّ ، ولذلك قال ذو الرّمة « 3 » : إذا قال حادينا لتشبيه نبأة * صه ، لم يكن إلا دويّ المسامع وبهذا سمّيت الفلاة : دوّيّة ، كأن الدّوّ حكاية ما يسمعون ، ثم نسب المكان إليه ، قال الأعشى « 4 » : فوق ديمومة تخيّل بالسّفر * قفارا إلا من الآجال يريد بقوله : تخيّل بالسفر ، أنهم يرونها مرّة على هيئة ، ومرة على هيئة ، قال كعب ابن زهير « 5 » : وصرماء مذكار كأنّ دويّها * بعيد جنان اللّيل مما يخيّل حديث أناسيّ فلمّا سمعته * إذا ليس فيه ما أبين فأعقل

--> ( 1 ) البيت من المنسرح ، وهو في ديوان زهير بن أبي سلمى ص 265 . ( 2 ) البيت من المتقارب ، وهو بلا نسبة في المعاني الكبير 2 / 702 . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان ذي الرمة ص 791 ، وتهذيب اللغة 5 / 349 ، وجمهرة اللغة ص 145 ، والبيت بلا نسبة في لسان العرب ( صهصه ) ، وتاج العروس ( صهصه ) . ( 4 ) البيت من الخفيف ، وهو في ديوان الأعشى ص 7 ، وبلا نسبة في المخصص 8 / 41 . ( 5 ) البيتان من الطويل ، وهما في ديوان كعب بن زهير ص 45 .