ابن قتيبة الدينوري
74
تأويل مشكل القرآن
أراد أنه حفر فيها الأنهار ، وغرس الأشجار ، وأثّر الآثار ، فلما تبيّنت للناظر صارت كأنها مخبرة . وقال عوف بن الخرع يذكر الدار « 1 » : وقفت بها ما تبين الكلام * لسائلها القول إلا سرارا يقول : ليست تبين الكلام لمخاطبها ، إلا أنّ ظاهر ما يرى دليل على الحال ، فكأنه سرار من القول ، ولهذا قالت الحكماء : كل صامت ناطق . يريدون أنّ أثر الصنعة فيه يدل على محدثه ومدبّره . ومن هذا قول اللّه عزّ وجل : أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ( 35 ) [ الروم : 35 ] أي أنزلنا عليهم برهانا يستدلون به ، فهو يدلهم . ونبيّن له أيضا أن أفعال المجاز لا تخرج منها المصادر ولا توكّد بالتكرار ، فتقول : أراد الحائط أن يسقط ، ولا تقول : أراد الحائط أن يسقط إرادة شديدة ، وقالت الشجرة فمالت ، ولا تقول : قالت الشجرة فمالت قولا شديدا . واللّه تعالى يقول : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النساء : 164 ] فوكّد بالمصدر معنى الكلام ، ونفى عنه المجاز . وقال : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) [ النحل : 40 ] فوكّد القول بالتكرار ، ووكّد المعنى بإنما . وأما قول من قال منهم : إن قوله للملائكة : اسْجُدُوا لِآدَمَ [ البقرة : 34 ، والأعراف : 11 ، والإسراء : 61 ، والكهف : 50 ، وطه : 116 ] إلهام ، وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [ الشورى : 51 ] أي إلهاما - فما ننكر أنّ القول قد يسمى وحيا ، والإيماء وحيا ، والرمز بالشفتين والحاجبين وحيا ، والإلهام وحيا . وكل شيء دللت به فقد أوحيت به ، غير أنّ إلهام النّحل تسخيرها لاتخاذ البيوت ، وسلوك السّبل والأكل من كل الثمرات . وقال العجّاج وذكر الأرض « 2 » : وحي لها القرار فاستقرّت أي : سخّرها لأن تستقر ، فاستقرت :
--> ( 1 ) البيت من المتقارب ، وهو لعوف بن عطية بن الخرع في المفضليات ص 413 . ( 2 ) يليه : وشدّها بالراسيات الثّبّت والرجز في ديوان العجاج 2 / 408 ، 409 ، ولسان العرب ( وحي ) ، وتهذيب اللغة 5 / 296 ، 297 ، وجمهرة اللغة ص 576 ، وكتاب العين 3 / 320 ، وتاج العروس ( وحي ) ، والرجز بلا نسبة في مقاييس اللغة 6 / 93 ، ومجمل اللغة 4 / 512 .