ابن قتيبة الدينوري

75

تأويل مشكل القرآن

وأما قوله : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [ الشورى : 51 ] فالوحي الأول : ما أراه اللّه تعالى الأنبياء في منامهم . والكلام من وراء الحجاب : تكليمه موسى . والكلام بالرسالة : إرساله الروح الأمين بالرّوح من أمره إلى من يشاء من عباده . ولا يقال لمن ألهمه اللّه : كلّمه اللّه ، لما أعلمتك من الفرق بين ( الكلام ) ( والقول ) . ولا يجوز أن يكون قوله للملائكة وإبليس ، وطول مراجعته إياه في السّجود ، والخروج من الجنة ، والنّظرة إلى يوم البعث - إلهاما . هذا ما لا يعقل . وإن كان ذلك تسخيرا فكيف يسخّر لشيء يمتنع منه ؟ . وأما تأويلهم في قوله جل وعزّ للسّماء والأرض : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] : إنه عبارة عن تكوينه لهما . وقوله لجهنم : هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ ق : 30 ] إنه إخبار عن سعتها - فما يحوج إلى التّعسّف والتماس المخارج بالحيل الضعيفة ؟ وما ينفع من وجود ذلك في الآية والآيتين والمعنى والمعنيين - وسائر ما جاء في كتاب اللّه عزّ وجلّ من هذا الجنس ، وفي حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - ممتنع عن مثل هذه التأويلات ؟ . وما في نطق جهنم ونطق السماء والأرض من العجب ؟ واللّه تبارك وتعالى ينطق الجلود ، والأيدي ، والأرجل ، ويسخّر الجبال والطير ، بالتّسبيح . فقال : إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ ( 18 ) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ( 19 ) [ ص : 19 ] وقال : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [ سبأ : 10 ] أي سبّحن معه . وقال : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [ الإسراء : 44 ] . وقال في جهنم : تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [ الملك : 8 ] أي تنقطع غيظا عليهم كما تقول : فلان يكاد ينقدّ غيظا عليك ، أي ينشق . وقال : إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ( 12 ) [ الفرقان : 12 ] . وروي في الحديث أنها تقول : ( قط قط ) « 1 » أي حسبي .

--> ( 1 ) لفظ الحديث بتمامه : عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تزال جهنم تقول : هل من مزيد ؟ حتى يضع ربّ العزّة فيها قدمه ، فتقول : قط قط ، وعزتك وجلالك ، ويزوي بعضها إلى بعض » . أخرجه البخاري في الأيمان 8 / 168 ، ومسلم في الجنة حديث 37 ، 38 ، والترمذي حديث 3272 ، وأحمد في المسند 3 / 134 ، 141 ، 230 ، 234 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 1171 ، 1173 ، 39479 ، والتبريزي في مشكاة المصابيح 5695 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 107 ، وابن حجر في فتح الباري 8 / 595 ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 5 / 127 .