ابن قتيبة الدينوري
50
تأويل مشكل القرآن
بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، وألين من الزبد ، ليس له عجم . وقوله : وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، [ الأنفال : 33 ] ثم قال على إثر ذلك : وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ [ الأنفال : 34 ] فإن النّضر بن الحارث قال : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] يريد أهلكنا ومحمدا ومن معه عامة . فأنزل اللّه تعالى : وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، [ الأنفال : 33 ] أي وفيهم قوم يستغفرون ، يعني المسلمين . يدلّك على ذلك قول اللّه تبارك وتعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 33 ) [ الأنفال : 33 ] ، ثم قال : وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ خاصة وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [ الأنفال : 34 ] يعني المسلمين ، فعذّبهم اللّه بالسيف بعد خروج النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عنهم ، وفي ذلك نزلت : سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ( 1 ) ، [ المعارج : 1 ] أي دعا داع بعذاب واقع ، يعني النضر بن الحارث لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ ( 2 ) [ المعارج : 2 ] يقول : هو للكافرين خاصة دون المؤمنين ، وهو معنى قول ابن عباس . وقال ( مجاهد ) في قوله : وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ : علم أن في أصلابهم من سيستغفر . وأما قولهم : أين قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى من قوله : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [ النساء : 3 ] ، فهل شيء أشبه بشيء أليق به من أحد الكلامين بالآخر ؟ ! . والمعنى : أن اللّه تعالى قصر الرجال على أربع نسوة وحرّم عليهم أن ينكحوا أكثر منهن ، لأنه لو أباح لهم أن ينكحوا من الحرائر ما أباح من ملك اليمن لم يستطيعوا العدل عليهن بالتّسوية بينهن ، فقال لنا : فكما تخافون ألا تعدلوا بين اليتامى إذا كفلتموهم ، فخافوا أيضا ألا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن ، فانكحوا اثنتين وثلاثا وأربعا ، ولا تتجاوزوا ذلك فتعجزوا عن العدل . ثم قال : فإن خفتم أيضا ألا تعدلوا بين الثلاث والأربع ، فانكحوا واحدة ، أو اقتصروا على ما ملكت أيمانكم من الإماء ، ذلك أدنى ألا تعولوا ، أي لا تجوروا وتميلوا . وقال ابن عباس : قصر الرجال على أربع من أجل اليتامى . يقول : لما كان النساء مكفولات بمنزلة اليتامى ، وكان العدل على اليتامى شديدا