ابن قتيبة الدينوري
51
تأويل مشكل القرآن
على كافلهم - قصر الرجال على ما بين الواحدة إلى الأربع من النساء ، ولم يطلق لهم ما فوق ذلك ، لئلا يميلوا . وقولهم : أين قوله : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ من قوله : ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ المائدة : 97 ] ؟ . وتأويل هذا : أن أهل الجاهلية كانوا يتغاورون ويسفكون الدماء بغير حقها ، ويأخذون الأموال بغير حلّها ، ويخيفون السّبل ، ويطلب الرجل منهم الثأر فيقتل غير قاتله ، ويصيب غير الجاني عليه ، ولا يبالي من كان بعد أن يراه كفأ لوليّه ويسمّيه : الثأر المنيم ، وربما قتل أحدهم حميمه بحميمه . قال ابن مضرّس وقتل خاله بأخيه « 1 » : بكت جزعا أمّي رميلة أن رأت * دما من أخيها بالمهنّد باقيا فقلت لها : لا تجزعي إنّ طارقا * خليلي الذي كان الخليل المصافيا وما كنت لو أعطيت ألفي نجيبة * وأولادها لغوا وستين راعيا لأقبلها من طارق دون أن أرى * دما من بني حصن على السيف جاريا وما كان في عوف قتيل علمته * ليوفيني من طارق غير خاليا وربما أسرف في القتل فقتل بالواحد ثلاثة وأربعة وأكثر . وقال الشاعر « 2 » : هم قتلوا منكم بظنّة واحد * ثمانية ثم استمرّوا فأرتعوا يقول : إنهم اتهموكم بقتل رجل منهم ، فقتلوا منكم ثمانية به . فجعل اللّه الكعبة البيت الحرام وما حولها من الحرم ، والشهر الحرام ، والهدي ، والقلائد - قواما للناس . أي أمنا لهم ، فكان الرجل إذا خاف على نفسه لجأ إلى الحرم فأمن . يقول اللّه جل وعزّ : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [ العنكبوت : 67 ] .
--> ( 1 ) الأبيات من الطويل ، وهي لتوبة بن المضرس العبسي في كتاب الوحشيات ص 82 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في المعاني الكبير لابن قتيبة ص 1021 .