ابن قتيبة الدينوري
292
تأويل مشكل القرآن
وقوله : ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ ( 62 ) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ ( 63 ) [ ص : 62 ، 63 ] ، أي زاغت عنهم الأبصار وألف اتخذناهم موصولة . وكقوله : أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ( 39 ) [ الطور : 39 ] ، أراد : أله البنات أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ( 40 ) [ الطور : 40 ] . أراد : أتسألهم أجرا أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( 41 ) [ الطور : 41 ] ، أراد : أعندهم الغيب . وهذا في القرآن كثير ، يدلّك عليك قوله : ألم ( 1 ) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [ السجدة : 1 ، 3 ] ، ولم يتقدم في الكلام : أيقولون كذا وكذا فترد عليه : أم تقولون ؟ وإنما أراد أيقولون : افتراه ، ثم قال : بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ . لا لا : تكون بمعنى لم ، قال اللّه تعالى : فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى ( 31 ) [ القيامة : 31 ] ، أي لم يصدّق ولم يصلّ ، وقال الشاعر « 1 » : وأيّ خميس لا أفأنا نهابه * وأسيافنا يقطرن من كبشه دما ؟ ! أي لم نفئ نهابه . وقال آخر « 2 » : إن تغفر اللّهم تغفر جمّا * وأيّ عبد لك لا ألمّا أي لم يلمّ بالذّنوب . أولى أولى : تهدّد ووعيد ، قال اللّه تعالى : أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 34 ) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 35 )
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لطرفة في مجاز القرآن 2 / 278 ، والكامل 2 / 93 ، وبلا نسبة في الأزهية ص 158 ، والصاحبي في فقه اللغة ص 165 ، وتفسير البحر المحيط 8 / 39 ، وأمالي ابن الشجري 2 / 228 . ( 2 ) الرجز لأبي خراش الهذلي في الأزهية ص 158 ، وخزانة الأدب 7 / 190 ، وشرح أشعار الهذليين 3 / 1346 ، وشرح شواهد المغني ص 625 ، ولسان العرب ( جمم ) ، والمقاصد النحوية 4 / 216 ، وتاج العروس ( جمم ) ، ولأمية بن أبي الصلت في الأغاني 4 / 131 ، 135 ، وخزانة الأدب 4 / 4 ، ولسان العرب ( لمم ) ، وتهذيب اللغة 15 / 347 ، 420 ، وكتاب العين 8 / 350 ، وتاج العروس ( لمم ) ، ولأمية أو لأبي خراش في خزانة الأدب 2 / 295 ، ولسان العرب ( لمم ) ، وبلا نسبة في الإنصاف ص 76 ، وجمهرة اللغة ص 92 ، والجنى الداني ص 298 ، ولسان العرب ( لا ) ، ومغني اللبيب 1 / 244 ، وكتاب العين 8 / 321 ، وديوان الأدب 3 / 166 ، وتاج العروس ( لا ) .