ابن قتيبة الدينوري

222

تأويل مشكل القرآن

ثم ضرب المثل فقال : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ وذلك أقرب عليكم هل لكم من شركاء من عبيدكم الذين تملكون فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ وعبيدكم سَواءٌ يأمرون فيه كأمركم ، ويحكمون كحكمكم ، وأنتم تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي كما يخاف الرجل الحرّ شريكه الحرّ في المال يكون بينهما ، فلا يأمر فيه بشيء دون أمره ، ولا يمضي فيه عطيّة بغير إذنه . وهو مثل قوله : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [ الحجرات : 11 ] أي لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين . وقوله : ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [ النور : 12 ] أي بأمثالهم من المؤمنين . يقول : فإذا كنتم أنتم بهذه المنزلة فيما بينكم وبين أرقائكم ، فكيف تجعلون للّه من عبيده شركاء في ملكه ؟ ومثله قوله وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فجعل منكم المالك والمملوك فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا يعني : السادة بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [ النحل : 71 ] من عبيدهم حتى يكونوا فيه شركاء . يريد : فإذا كان هذا لا يجوز بينكم ، فكيف تجعلونه للّه ؟ . في سورة النحل ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً [ النحل : 75 ] . هذا مثل ضربه اللّه لنفسه ولمن عبد دونه ، فقال : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ فهذا مثل من جعل إلها دونه أو معه لأنه عاجز مدبّر ، مملوك لا يقدر على نفع ولا ضرّ . ثم قال : وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ [ النحل : 75 ] . فهذا مثله جل وعزّ لأنه الواسع الجواد القادر ، الرّازق عباده جهرا من حيث يعلمون ، وسرا من حيث لا يعلمون . وقال بعض المفسرين : هو مثل للمؤمن ، والكافر . فالعبد : هو الكافر ، والمرزوق : هو المؤمن . والتفسير الأول أعجب إليّ ، لأن المثل توسّط كلامين هما للّه تعالى أمّا ( الأوّل )