ابن قتيبة الدينوري

223

تأويل مشكل القرآن

فقوله : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 73 ) [ النحل : 73 ] . فهذا للّه ومن عبد من دونه . وأمّا الآخر فقوله بعد انقضاء المثل : فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 74 ) [ النحل : 74 ] . ولأنه ضرب لهذا المعنى مثلا آخر بعقب هذا الكلام فقال : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ أي : أخرس لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أي : عيال وثقل على قرابته ووليّه أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ [ النحل : 76 ] . فهذا مثل آلهتهم ، لأنها صمّ بكم عمي ، ثقل على من عبدها ، في خدمتها والتّعبّد لها ، وهي لا تأتيه بخير . ثم قال : هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النحل : 76 ] فجعل هذا المثل لنفسه . في سورة النحل أيضا وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ [ النحل : 92 ] . هذا مثل لمن عاهد اللّه وحلف به ، فقال تعالى : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها [ النحل : 91 ] فتكونوا إن فعلتم كامرأة غزلت غزلا وقوّت مرّته وأبرمته ، فلما استحكم نقضته ، فجعلته أنكاثا . والأنكاث : ما نقض من أخلاق بيوت الشعر والوبر ليغزل ثانية ويعاد مع الجديد ، وكذلك ما نقض من خلق الخزّ . ومنه قيل لمن أعطاك بيعته على السمع والطاعة ثم خرج عليك : ناكث ، لأنه نقض ما وكّد على نفسه بالإيمان والعهود ، كما تنقض النّاكثة غزلها . ثم قال : تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ . أي : دغلا وخيانة وحيلا أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ أي : لأن يكون قوم أغنى من قوم ، وقوم أعلى من قوم ، تريدون : أن تقتطعوا بأيمانكم حقوقا لهؤلاء ، فتجعلوها لهؤلاء . وقال المفسرون في التي نقضت غزلها : هي امرأة من قريش وكانت حمقاء ،