ابن قتيبة الدينوري
221
تأويل مشكل القرآن
يريد : من أقطارها . فإذا أقام الوليان مقام الذّمّيين لليمين ، حلفا باللّه لقد ظهرنا على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما ، وما اعتدينا عليهما ، و لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما أي : أصحّ لكفرهما وإيماننا . فإذا حلف الوليان على ما ظهرا عليه ، رجع على الذّمّيين بما اختانا ، ونقض ما مضى عليه الحكم بشهادتهما . ثم قال سبحانه : ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أي : هذا الحكم أقرب بهم إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ، يعني أهل الذمة أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ على أولياء الميت بَعْدَ أَيْمانِهِمْ فيحلّفوا على خيانتهم وكذبهم ، فيفضحوا ، أو يغرّموا . وأكثر العلماء يذهب إلى أن هذا باب من الحكم ( محكم ) وأنه لم ينسخ من سورة المائدة شيء ، لأنها آخر ما نزل . وبعضهم يذهب إلى أنه منسوخ بقوله سبحانه : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ [ البقرة : 282 ] . في سورة الروم ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 28 ) [ الروم : 28 ] . هذا مثل ضربه اللّه لمن جعل له شركاء من خلقه ، فقال قبل المثل : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم : 27 ] يريد : إعادته على المخلوق أهون من ابتدائه ، لأنه ابتدأه في الرحم نطفة ، وعلقة ، ومضغة ، وإعادته تكون بأن يقول له : كُنْ فَيَكُونُ [ الأنعام : 73 ] فذلك أهون على المخلوق من النشأة الأولى . كذلك قال ابن عباس في رواية أبي صالح . وإن جعلته للّه ، جعلت أهون بمعنى : وهو هيّن عليه ، أي سهل عليه . وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى [ الروم : 27 ] يعني : شهادة أن لا إله إلا اللّه .