ابن قتيبة الدينوري
209
تأويل مشكل القرآن
فقال : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ( 2 ) [ ص : 1 ] ، وحكى قولهم : أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ [ ص : 6 ] ، أي اذهبوا ودعوه وتمسّكوا بآلهتكم فقال اللّه عزّ وجل : أعندهم بآلهتهم هذه خزائن الرحمة ؟ ! أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ ( 10 ) [ ص : 10 ] ، أي في أبواب السماء ، وأبواب السماء : أسبابها ، قال الشاعر « 1 » : ولو نال أسباب السّماء بسلّم ويكون أيضا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ ، أي : في الحبال إلى السماء ، كما سألوك أن ترقى في السماء وتأتيهم بكتاب . ويقال للرجل إذا تقدم في العلم وغيره وبرع : قد ارتقى في الأسباب ، كما يقال : قد بلغ السماء . ونحو هذا قوله في موضع آخر : أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 38 ) [ الطور : 38 ] . وهذا كله توبيخ ، وتقرير بالعجز . ثم قال بعد : جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ ( 11 ) [ ص : 11 ] . وجند بمعنى : حزب لهذه الآلهة . و ( ما ) زائدة . ومهزوم : مقموع ذليل . وأصل الهزم : الكسر ، ومنه قيل للنّفرة في الأرض : هزمة ، أي كسرة ، وهزمت الجيش : أي كسرتهم ، وتهزّمت القربة : أي انكسرت . يقول : هم حزب عند ذلك مقموع ذليل من الأحزاب ، أي عند هذه المحن ، وعند هذا القول ، لأنهم لا يقدرون أن يدّعوا لآلهتهم شيئا من هذا ، ولا لأنفسهم . والأحزاب : سائر من تقدّمهم من الكفار ، سمّوا أحزابا لأنهم تحزّبوا على أنبيائهم . يقول اللّه سبحانه على إثر هذا الكلام : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ [ ص : 12 ] وكذا وكذا . ثم قال : أُولئِكَ الْأَحْزابُ [ ص : 13 ] فأعلمنا أن مشركي قريش حزب من هؤلاء الأحزاب .
--> ( 1 ) يروى البيت بتمامه : ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * وإن رام أسباب السماء بسلّم والبيت من الطويل ، وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 30 ، والخصائص 3 / 324 ، 325 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 267 ، وشرح شواهد المغني 1 / 386 ، ولسان العرب ( سبب ) ، وشرح القصائد العشر ص 120 .