ابن قتيبة الدينوري
210
تأويل مشكل القرآن
وكان ابن عباس في رواية أبي صالح - يذهب إلى أن اللّه تعالى أخبر رسوله صلّى اللّه عليه وسلم أنه سيهزم المشركين يوم بدر . في سورة السجدة يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 5 ) [ السجدة : 5 ] . يريد سبحانه : أنه يقضي الأمر في السماء وينزله مع الملائكة إلى الأرض فتوقعه ، ثم تعرج إلى السماء ، أي تصعد ، بما أوقعته من ذلك الأمر ، فيكون نزولها به ورجوعها في يوم واحد مقداره ألف سنة مما تعدّون . يريد مقدار المسير فيه على قدر مسيرنا وعددنا ألف سنة ، لأن بعد ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام لابن آدم ، فإذا قطعته الملائكة ، بادئة وعائدة في يوم واحد ، فقد قطعت مسيرة ألف سنة في يوم واحد . في سورة النمل قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ( 65 ) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ ( 66 ) [ النمل : 65 ، 66 ] . أصل ادّارك : تدارك ، فأدغمت التاء في الدال ، وأدخلت ألف الوصل ليسلم للدّال الأولى السكون ، ومثله : حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً [ الأعراف : 38 ] و اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ [ التوبة : 38 ] ، و قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ [ النمل : 47 ] ، إنما هو : تداركوا ، وتثاقلتم ، وتطيّرنا . ومعنى تدارك : تتابع ، و عِلْمُهُمْ : حكمهم على الآخرة ، وحدسهم الظّنون . وأراد وما يشعرون متى يبعثون إلّا بتتابع الظّنون في علم الآخرة ، فهم يقولون تارة : إنها تكون ، وتارة : إنها لا تكون ، وإلى كذا تكون ، وما يعلم غيب ذلك إلّا اللّه تعالى . ثم قال : بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بل هم من علمها عَمُونَ . وكان ابن عباس يقرؤها بلى أدارك علمهم . وهذه القراءة أشدّ إيضاحا للمعنى ، لأنه قال : وما يشعرون متى يبعثون ، ثم قال : بل تداركت ظنونهم في علم الآخرة ، فهم يحدسون ولا يدرون .